فهرس الكتاب

الصفحة 2627 من 3657

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: « من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» [25] .فإن هذا الحديث المتواتر الذي رواه العشرات من الصحابة دليل على فشو الإسناد بينهم ، وهو النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو لم يكن إسناد القول إلى قائله أمرا شائعا وطريقا مسلوكة لما كان لهذا الحديث معنى. ولأجل هذا الحديث تزايد حرص الصحابة وتثبتهم في نسبة أي شئ إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

فمن هؤلاء الذين ثبت عنهم الاحتياط في قبول الأخبار: أبو بكر الصديق [26] وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب [27] .

إن النصوص والآثار التي سقناها تثبت وجود الإسناد منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أخذ ينمو من حيث المادة والاهتمام به عبر الأجيال حتى أخذ مكانته اللائقة والمحورية كعلو وأساس في منهج نقد الآثار والنصوص على يد علماْ القرن الثاني الهجري.

نهاية تطبيق مبدأ الإسناد في الرواية

أما وقد انتهينا إلى أن نظرية الإسناد نشأت مع النصوص الشرعية ذاتها، وأن صورته لم تنشأ متأخرة أو تتطور بالاختلاف كما زعم الزاعمون، فنحتاج إلى أن نؤرخ لنهاية الإسناد كآلية مستخدمة في نقل وحفظ الروايات .

ويجب أن نؤكد على قضية بالغة الأهمية قبل التعرض للمسألة المذكورة، ألا وهي أن الإسناد كما علمنا من خصائص هذه الأمة المباركة [28] كما ذكر غير واحد من أهل العلم ، لذا فإن ديمومة وجود الإسناد أمر يجب ألا يكون محل تشكيك أو تهوين، فأسانيد المصنفات وكتب العلم الشرعي التي ضمنت فيه النصوص الشرعية مازالت متداولة حتى عصرنا الحالي ، وأهميتها تكمن في البعد التوثيقي للمصنفات، وبذلك تتميز هذه الأمة عن كل الأمم بأن كتبها تتوثق على مر العصور نسبتها فيؤمن الانتحال فيها ويستيقن من نسبتها لأصحابها [29]

لكننا في الوقت نفسه يجب أن نعترف أنه بعد انتهاء عصر الرواية لم يعد إسناد المتأخرين هذا هو مجال النقد ،فالنقد العلمي ينصب أساسا على الإسناد الوارد في المصنف الذي صحت نسبته لمؤلفه إلى صاحب الخبر أو النص ،ولهذا نحتاج إلى تأريخ زمان انتهاء عصر الرواية، وانصرام تطبيق نظرية الإسناد عمليا .

من المتفق عليه بين النقاد أن أسانيد المتأخرين في هذه العصور إلى المصنفات المشهورة مثل صحيح البخاري وسنن أبي داوود ومسند أحمد وصحيح ابن حبان لم تعد محل دراسة أو مجال نقد، لأن البحث فيها لا طائل إذ اشتهار تلك المصنفات وذيوعها وتعدد نسخها في العالم ضمين بعدم حصول انتحال لأي جزء منها أو زيادة أو نقص فيها.

ولو تعد أسانيد المتأخرين يراعى فيها ما يراعى في أسانيد المتقدمين من شروط الضبط والإتقان والتيقظ ونحو ذلك.

يقول ابن الصلاح: «إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثا صحيح الإسناد ولم نجده في أحد الصحيحين ولا منصوصا على صحته في شئ من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد ، لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه جريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان، فآل الأمر إذا في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف، وصار معظم المقصود بما يتداول من الأسانيد خارجا عن ذلك إبقاء سلسلة الإسناد التي خصت بها هذه الأمة زادها الله شرفا.آمين» [30]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت