فهرس الكتاب

الصفحة 2628 من 3657

ويبين ذلك في موضع آخر قائلا:"أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه، فلم يتقيدوا بها في رواياتهم لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم ، وكان عليه ما تقدم ،ووجه ذلك ما قدمناه في أول كتابنا هذا من كون المقصود المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد، والمحاذرة من انقطاع سلسلتها ، فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده ، وليُكْتَفَ في أهليه الشيخ بكونه مسلما بالغا عاقلا غير متظاهر بالفسق والسخف ،وفي ضبطه بوجود سماعه مثبتا بخط غير متهم ، وروايته من أصل موافق لأصل شيخه، وقد سبق إلى نحو ما ذكرنا الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي رحمه الله تعالى، فإنه ذكر فيما رويناه عنه توسُّعَ مَنْ توسَّعَ في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ولا تحسنون قراءته من كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، ووجه ذلك بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقعت بين الصحة والسقم قد دُونت وكُتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث ، ولا يجوز أن يذهب شئ منها على جميعهم ، وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها، قال البيهقي: ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره ، والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلا بحدثنا وأخبرنا، وتبقى الكرامة التي خصت بها الأمة شرفا لنبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم" [31] .

وقد ذهب الذهبي إلى انتهاء عصر الجرح بانتهاء المتقدمين، واعتبر الحد الفاصل بين المتقدم والمتأخر هو رأس الثلاثمائة [32] . فما بعد عام 300 هـ يعتبر عند الذهبي من المتأخرين، ولا يدخل فيما يجب معرفته فيه من جرح وتعديل على الوجه المطلوب في المتقدمين، وما ذلك إلا لانتهاء عصر الرواية في تلك الفترة غالبا، وصار من يصنف إنما يعول على رواية كتب بإسناده إليها، وأمن تخليطه فيما يروِي لاعتماده على نص مدون مشهور معروف متداول .

ولكن هذا لا يعني أن المحدثين تخلوا عن نظرية الإسناد في تلك الفترة التي حدها الذهبي فاصلا بين المتقدمين والمتأخرين، بل باستقراء عصر ابن الصلاح نفسه- الذي نقلنا كلامه آنفا -وجدنا أنه ما زال هناك البعض ممن يعتبرون الإسناد في رواية الحديث، ومنهم الحافظ ضياء الدين المقدسي صاحب الأحاديث المختارة، [33] فإنه ألف كتابه في استدراك الأحاديث الصحيحة التي ليست في الصحيحين، ومعلوم أنه كان يعتبر إسناده في رواية تلك الأحاديث.

ويمكننا أن نعتبر الحافظ ضياء الدين المقدسي من آخر المصنفين للكتب على طريقة الإسناد، بمعنى أنه وضع مصنفه في الأحاديث كاملا على وفق نظرية الإسناد رواية وتطبيقا -نقدا- ويكون منتصف القرن السابع الهجري هو آخر عهد الإسناد.

وهذا لا يفيد نفي وجود الأحاديث أو الآثار المسندة في بطون المصنفات، فإنه وجدت الأحاديث المسندة في بطون كتب الرجال والفقه والتاريخ والأجزاء الحديثية الصغيرة، ولكن التصنيف لم يأت على هيئة الإسناد وعلى وفق نظريته في كامل الكتاب إلا كما في كتاب ضياء الدين المقدسي.

وقد تبين لي باستقراء الاتجاهات العلمية الحديثية أنه عندما ابتدأت نظرية الإسناد في الاندثار رواية ؛ أن المؤلفات في كتب الرجال قد ابتدأت في النشاط والنمو، وصارت جهود المحدثين مصروفة إلى تتبع رجال أسانيد المتقدمين، مما يوحي بأن الأوساط العلمية قد أدركت عقم التعويل على أسانيد المتأخرين ، وأن الأجدى الاقتصار على دراسة ما اشتهر من أسانيد المتقدمين وتسليط جهود الفحص والنقد والتفتيش إليها .

ولا يدل ذلك على بخس لقيمة نظرية الإسناد عند المتأخرين، بل إنهم حافظوا على الإسناد كتقليد علمي مصون لتوثيق المصادر والكتب لكنهم لم يعولوا عليه في نقد النص، فصار التعويل على أسانيد المتقدمين مما أتاح نشوء فترة علمية ازدهرت فيها علوم النقد، وتطور التأليف وتنوع على وجه لم يحدث في أي علم من العلوم الأخرى .

وقد عنى المحدثون بدراسة كل المصنفات التي اعتمدت الرواية بالإسناد وقاموا بتصنيفها على حسب جودة أسانيدها، فاعتمد جمهورهم الكتب الستة -صحيحي البخاري ومسلم وسنن النسائي -المجتبى- وأبي داود والترمذي وابن ماجة، مع مسند أحمد وموطأ مالك وسنن الداري وصحيح ابن خزينة وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم - اعتبروا هذه المصنفات هي الأصول الأصيلة التي جمعت جل المادة الحديثية المروية بأسانيد معتبرة أو قابلة للاعتبار.

ثم قاموا بجمع ما ورد من تراث المتقدمين في نقد الرجال على هيئة معاجم تذكر فيها كل المعلومات المتعلقة بالرواة مثل الكمال في أسماء الرجال لابن ماكولا وثقات العجلي وتهذيب الكمال للمزي ومصنفات الذهبي وابن حجر وقَطْلُوبَغَا في التراجم والرجال مما يعد من مفاخر الحضارة الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت