فهرس الكتاب

الصفحة 2629 من 3657

ومع ضميمة ذلك وجدت كتب الفهارس التي تعين على معرفة أطراف الحديث وزوائده مثل أطراف المزي والمطالب العالية لابن حجر ومجمع الزوائد للهيثمي.

وقد برع المحدثون بتصنيف كتب معينة في مجال النقد مثل كتب الأنساب والأسماء المشتبهة والمدلِّسين والمختلِطين والعلل والمصطلح ، بحيث يندر أن توجد كلمة في إسناد أو متن إلا وقد استوفوه بالبيان .

ثم ارتقت عناية المحدثين بابتكار كتب تخريج الأحاديث ، وهي التي تعنى ببيان مواضع ودرجات الأحاديث التي وردت في كتب الفقه والتفسير الشهيرة ، تيسيرا على الفقهاء والعلماء في العلوم الأخرى الذين لا باع لهم في علوم النقد. [34]

وبهذا نعلم أن الإسناد وان انتهى تطبيقا في مجال الرواية إلا أنه ظل المجال الذي يعتمد عليه المحدثون في عمليات النقد.

الخلاصة:

1-نشأة الإسناد نشأة طبيعية مع النصوص الشرعية نفسها إذا اقتضى الأمر حفظها ونقلها، فاستخدم الإسناد وسيلة لذلك.

2-بطلان نظرية اختلاق الإسناد التي قال بها المستشرقون، والتي بنوها على دراسة خاطئة لمادة الأسانيد في العصور المبكرة.

3-تفاوت الرواة - في بداية عهد الإسناد - في الاهتمام بهيئة الإسناد فكان الجمهور ملتزما بصورته ومادته ثم تطور الاهتمام بهيئة الإسناد حتى غدا تقليدا علميا صارما فيما بعد.

4-انتهى عصر تطبيق نظرية الإسناد في منتصف القرن السابع الهجري، بمعنى عدم الاعتماد على الإسناد في الرواية وتناقل النصوص، وصار المعول على المصنفات المشهورة التي جمعت تلك النصوص واعتمدت الأسانيد الواردة فيها كتكون مجالا للنقد.

5-نشطت المؤلفات المنية بنقد الأسانيد حتى غدت فترة نهاية تطبيق الإسناد رواية من أكثر عصور النقد الحديثي ازدهارًا.

الإسناد في منظومة المعرفة الإسلامية .التأصيل والتنظير:

إن كل هذه النصوص استدعت اهتمام المحدثين ونادت على قريحة نقادهم فصاغوا معانيها في عبارات تنظيرية وجمل تأصيلية توحي بتنبههم منذ وقت مبكر إلى خطر الإسناد فغدت عباراتهم بمثابة دستور لهذه النظرية وأساسا لبنائها الشامخ.

وسنورد هنا جملة من تلك العبارات التي نظر بها المحدثون النقاد لمبدأ الإسناد حضور هذه النظرية في فكرهم النقدي، وأن منهجهم قام على أسس نظرية عميقة كما أسلفنا في المقدمة.

يقول عبد الله بن المبارك: «الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لقال مَنْ شاء ما شاء ولكن إذا قيل له: من حدثك؟ بَقِيَ» [35] .

قال تلميذ ابن المبارك الذي روى عنه هذه الرواية:"ذكر ابن المبارك هذا عند ذكر الزنادقة وما يضعون من الأحاديث".

وقال عبد الله بن المبارك أيضا: « بيننا وبين القوم - أي المبتدعة والكذبة- القوائم -يعني الإسناد-» . [36]

وعن إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال:"قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء: « إن البر من بعد أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صومك» ، فقال عبد الله: يا أبا إسحاق: عمن هذا ؟ قلت له: هذا من حديث شهاب بن خراش، قال: ثقة ، عمن؟ قلت: عن الحجاج بن دينار، قال ثقة ، عمن ؟ قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال يا أبا إسحاق بين الحجاج بن دينار وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاوز ينقطع أعناق المطي، ولكن ليس في الصدقة خلاف" [37] .

وعن علي بن حجر قال: سمعت ابن المبارك يقول:"إن الله حفظ الأسانيد على أمة محمد صلى الله عليه وسلم" [38] .

شرح عبارة ابن المبارك: «الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ، ولكن إذا قيل له: من حدثك ؟ بقي»

تأتي أهمية هذه العبارة في أنها تنص على جلالة الإسناد، وترد أصوله إلى الدين نفسه، وذلك على ضوء ما ذكرنا من النصوص الشرعية التي تنوه بمبدأ الإسناد في نقل النصوص الشرعية.

واستعمال عبد الله بن المبارك لكلمة «الإسناد » دليل على حصول صورة الإسناد في ذهنه ووعيه لمدلولها.

وجعل الإسناد من الدين تنبيه إلى دستورية «الإسناد » - لو جاوز التعبير - ، فليس الإسناد عند ابن المبارك مجرد تقليد فني اعتمدته طائفة المحدثين من عنديات فنونهم أو بنيات أفكارهم وقرائحهم ، بل هو نفس هذا الدين أي ناشئ عنه ومعمول به لمقتضى النصوص التي نوهت به وأرشدت إليه وحضت عليه، أو المراد أن الالتزام في نقل النصوص بالإسناد دليل على ديانة الراوي وأنه ليس من أصحاب السمر والقصص والقيل والقال، وأنه باستعماله الإسناد قد انخرط في سلك من يعتمد عليهم من أهل الديانة في تبليغ نصوص الوحي المطهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت