فهرس الكتاب

الصفحة 2630 من 3657

وقد قصد ابن المبارك بالإسناد مطلق الإسناد، سواء كان رجاله ثقات أو غيرهم ، فعبارته تحض على معرفة سند الرواية وحفظ هذا السند وتبليغه مع الرواية بعض النظر عن حال رجال السند، وذلك أن ابن المبارك يُنَظِّرُ مبدأً يسير عليه كل الرواة والنقلة ، وليس مجرد النقاد والخبيرين بمنهج الجرح والتعديل، مما يدل على ذلك قوله في نفس العبارة: «فإذا قيل له: من حدثك؟ بقي» [39] ، أي أنه يجزئه أن يذكر من نقل عنه الرواية وحدثه ليخرج من العهدة جريا على المبدأ المعروف عند المحدثين أن « من أسند فقد أحال » .

وقد ظن الإمام أبو إسحاق الشاطبي أن قول ابن المبارك:"الإسناد من الدين"ليس معناه قول المحدث: حدثني فلان عن فلان مجردا ، بل يريدون ذلك لما تضمنه من معرفة الرجال الذين يحدث عنهم حتى لا يسند عن مجهول ولا مجروح ولا متهم إلا عمن تحصل الثقة بروايته، لأن روح المسألة أن يغلب على الظن من غير ريبة أن ذلك الحديث قد قاله النبي صلى الله عليه وسلم [40] .

وليس ما ظنه الشاطبي بصحيح بل إن ابن المبارك قصد مجرد قول المحدث: حدثني فلان عن فلان، وأن في عناية الراوي بهذا السند ضمانة لمعرفة الصحيح والسقيم.

ومما يدل على ذلك أن الحافظ أبا حاتم الرازي كان في مجلس فقال: « لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار نبيهم وأنساب سلفهم إلا في هذه الأمة ، فقال له رجل: يا أبا حاتم، ربما رووا حديثا لا أصل له ولا يصح ، فقال أبو حاتم: علماؤهم يعرفون الصحيح والسقيم فروايتهم ذلك-أي الحديث الواهي - للمعرفة، ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها » [41]

فأبو حاتم يعتبر حفظ الإسناد ولوكان واهيا سببا لتمكن النقاد بعد ذلك من تمييز الصحيح من السقيم ، وهذا هو لب نظرية الإسناد:لأنه يعتمد الإسناد آلية لنقل النصوص وقالبا يوضع فيه كل الرواة الذين نقلوا النص طبقة عن طبقة ، حتى إذا ما أراد ناقد دراسة هذا النص ومعرفة أصالته أو زيفه استطاع أن يجد المجال الذي يجري فيه نقده وبحثه.

ومما يدل على ذلك أيضا أن ابن المبارك نفسه سئل عن الأحاديث الموضوعة التي يرويها الوضاعون بالأسانيد ، فقال:"تعيش لها الجهابذة" [42] .

فالنقاد هم الذين يتصدرون لتلك الأسانيد الضعيفة والموضوعة ويغربلونها ويعرفون من الذي وضعها أو من الذي أخطأ فيها ، وإذا لم ترو هذه الأسانيد ولم تنقل كما هي فكيف سينقد النقاد ، وما هي الوسيلة إذن لمعرفة الصحيح والسقيم ؟

وممن نظر لمبدأ الإسناد ونوه به أبو عمرو الأوزاعي حيث قال: « ما ذهاب العلم إلا ذهاب الإسناد » [43]

وقال شُعبة ابن الحجاج أبو بِسْطَام الواسطي البصري:"كل حديث ليس فيه حدثنا أو أخبرنا فهو خَلُّ وبَقْل" [44] .

وكان ابن شهاب الزهري إذا حدث أتى بالإسناد ويقول: «لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجه» [45] .

وكان الأعمش - سليمان بن مِهْرَان - يحدث بالحديث ثم يقول: « بقي رأس المال: حدثني فلان قال: فلان عن فلان » [46] .

وكان بَهْزُ ابن أسد يقول:"لا تأخذوا الحديث عمن لا يقول: ثنا"وكان بهز إذا ذكر له الإسناد الصحيح يقول: « هذه شهادات العدول المرضيين بعضهم على بعض » وإذا ذكر الإسناد فيه شئ -أي ضعف- قال: « هذا فيه عُهْدَة » ويقول: « لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم ثم جحده لم يستطع أخذها إلا بشاهدين عدلين، فدين الله أحق أن يؤخذ فيه بالعدول » [47]

وعن عُتْبَة بن أبي حكيم أنه كان عند إسحق بن عبد الله بن أبي فروة - أحد الضعفاء المتروكين - وعنده الزهري، فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروة ، ما أجرأك على الله ، لا تسند حديثك ، تحدثنا بأحاديث ليس لها خُطُمٌ ولا أَزمَّة». [48]

هذه النقول السابقة جملة مما ورد عن السلف المتقدمين في بيان أهمية الإسناد مما يدل على إدراكهم لدوره في مجال نقد الحديث.

وقد اقتبس النقاد من هذه النقول فحوى نظرية الإسناد عند المسلمين، وصاغوا فلسفتها منذ وقت مبكر .

قال الحاكم في معرفة علوم الحديث: « فلولا الإسناد وطلب هذه الطائفة له وكثرة مواظبتهم على حفظه لَدَرَسَ منارُ الإسلام ، وتمكن أهل الإلحاد والبدع منه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد ، فإن الأخبار إذا تَعَرَّتْ عن وجود الإسناد فيها كانت بُتْرَاً » [49] .

وهذه صياغة راقية -مبكرة - لفلسفة الإسناد ، فالحاكم يعتبر الإسناد قطعة من الخبر نفسه ، فإذا ذكر الخبر دون إسناده كان أبتر، والأبتر والأقطع لا قيمة له .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت