« وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدَّغُوِلّي السَّرْخَسِي: سمعت محمد ابن الحاتم بن المُظَفَّر يقول: إن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد ، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد ، وإنما هي صُحُفٌ في أيديهم ، وقد خلطوا بكتبهم أخبارَهم ، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات ، وهذه الأمة الشريفة - زادها الله شرفا بنبيها - إنما تنص الحديث- أي ترويه وترفعه- عن الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم ، ثم يبحثون أشد البحث، حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ والأضبط فالأضبط ، والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقصر مجالسة ، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجها - أي طريقا- وأكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدوه عدا ، فهذا من أفضل نعم الله على هذه الأمة، فنستوزع اللهَ شكر هذه النعمة وغيرها من نعمه، ونسأله التثبيت والتوفيق لما يقرب إليه ويُزْلِفُ لديه ، ويمسكنا بطاعته إنه ولي حميد [50] .
وقال ابن حزم في الفِصَل الملل والنحل:"نقل الثقة عن الثقة حتى يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال ، ويخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه ، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان خص الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها ، وأبقاه عندهم غَضَّا جديدا على قديم الدهور، يدخل في طلبه إلى الآفاق البعيدة مَنْ لا يُحصِي عددَهم إلا خالقُهم ، ويواظب على تقييده من كان الناقل قريبا منه . قد تولى الله حفظه عليهم والحمد لله رب العالمين فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شئ من النقل إن وقعت لأحدهم ولا يمكن فاسقا أن يقحم كلمة موضوعة ولله تعالى الشكر. وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود ولكنهم لا يَقْرُبُون فيه من موسى عليه الصلاة والسلام قُربَنَا من محمد صلى الله عليه وسلم ، بل يقفون بحيث يكون ببينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا في أزيد من ألف وخمسمائة عام ، وإنما يبلغون بالنقل إلى شمعون ونحوه ، وأما النصارى فلبس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط، على أن مخرجه من كذاب قد صح كذبه ، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى. وأما أقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب بني أصلا ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص" [51] .
ومما تجدر الإشارة إليه أن خصيصة الإسناد في الأمة الإسلامية استقرت في تراث أهل ألسنة على وجه الخصوص دون سائر الفرق من أهل البدع والأهواء.
وقد نبه إلى هذه الحقيقة شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في منهاج السنة: «الإسناد من خصائص هذه الأمة وهو من خصائص الإسلام ثم هو في الإسلام من خصائص أهل السنة، والرافضة اقل عناية به إذ لا يصدّقون إلا ما يوافق أهواءهم ، وعلامة كذبه - أي عندهم - أنه يخالف هواهم ، ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي: أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم ، وأهل الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم . وأهل البدع سلكوا طريقا أخرى ابتدعوها واعتمدوها ولا يذكرون الحديث بل ولا القرآن في أصولهم إلا للاعتضاد لا للاعتماد » [52] .
ويعلق على هذا الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة قائلا: « هذا الاهتمام العظيم بالإسناد خاص بأهل السنة ولم يكن لدى الشيعة الأمامية اهتمام بالإسناد لأنهم يقولون: إن أحاديثنا كلها قطعية الصدور عن المعصوم وما كان كذلك فلا يحتاج إلى ملاحظة سنده. نقله عنهم أحد كبار علماء الشيعة عبد الله المامقاني المتوفى سنة 1351هـ في كتابه « تنقيح المقال في علم الرجال » (1/177) ثم نازع هو في قبول هذا القول بوجود الحاجة إلى ملاحظة أحوال الرجال . وجاء في كتاب « تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة» للدكتور عبد الله فياض في ص 140 قوله: ولما كان الإمام معصوما عند الإمامية ، فلا مجال للشك فيما يقول . وفي ص 158 قوله أيضا: إن الاعتقاد بعصمة الأئمة جعل الأحاديث التي تصدر عنهم صحيحة دون أن يشترطوا إيصال سندها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الحال عند أهل السنة» [53] .