ويشرح خصيصة الإسناد لدى الأمة العلامة مصطفى صبري التوقادي - خاتمة شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية - ضاربا المثال بصحيح الإمام البخاري رحمه الله يقول: « الطريقة المتبعة في الإسلام لتوثيق الأحاديث النبوية أفضل طريق وأعلاها لا تدانيها في دقتها وسموها أي طريقة علمية غريبة اتبعت في توثيق الروايات ، ففي صحيح البخاري مثلا ألفان وستمائة واثنان من الأحاديث المسندة سوى المكررة انتقاها البخاري من مائة ألف حديث صحيح يحفظها وفيه قريب من ألفي راو اختارهم من نيف وثلاثين ألفا من الرواة الثقات الذين يعرفهم وكتاب البخاري البالغ أربع مجلدات كبيرة يبقى بعد حذف أسانيده على حجم مجلد واحد متوسط الحجم فهل سمعتم وسمعت الدنيا أن كتاب تاريخ في هذا الحجم يروى مافية سماعا من ألفي رجل ثقة يعرفهم المؤلف وغيره من أهل العلم بأسمائهم وأوصافهم على أن تكون كل جملة معينة من الكتاب مؤلفة من سطر أو أكثر أو أقل تقريبا سمعها فلان وهو من فلان إلى أن تصل - الإسناد والسماع - بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقام لكل سطر من سطور الكتاب تقريبا شهود من الرواة يتحملون مسؤولية روايته» [54] .
ويظهر مما سبق أن الإسناد قد استقر في وجدان المسلمين عامة وأهل العلم خاصة أنه خصيصة الأمة وروح الرواية وجوهر النقل الذي تحتاجه نصوص الشرع.
ومن ثم لم يتردد المحدثون في اعتباره واجبا دينيا بجب على المسلمين القيام به والمحافظة علية.
يقول ابن حجر العسقلاني في شرح النخبة: « ولكون الإسناد يعلم به الحديث الموضوع من غيره ، كانت معرفته من فروض الكفاية» [55] .
ويؤكد ذلك الشيخ على القارئ فبقول: « أصل الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة وسنة من السنن المؤكدة بل من فروض الكفاية» [56] .
وفرض الكفاية كما هو معروف عند الأصوليين: ما يجب على مجموع الأمة فإذا قام به البعض -قياما كافيا - سقط عن الباقين [57] .
خصائص الإسناد:
يقول الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة:"وقد نشأ عن اهتمام المحدثين بالإسناد ووضوح أهميته في تلقي المنقول أن اشترط -الإسناد- في تلقي سائر العلوم الإسلامية كالتفسير والفقه والتاريخ والرجال والأنساب واللغة والنحو والأدب والشعر والحكايات ،حتى دخل في سياق الكلمة الواحدة من أخبار الحمقى والمغفلين وأخبار المضحكين ونوادر الطفيليين، كما دخل في سياق الكلمة الواحدة في التفسير…" [58] .
إن نظرية الإسناد صارت مرتكزا علميا في معظم العلوم الشرعية جعلت الإمام الشافعي ينظر لهذا المرتكز في أبيات شعرية يقول فيها:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما كان فيه: قال حدثنا وما سوى ذلك وسواس الشياطين
ولقد سرت تطبيقات نظرية الإسناد إلى كل العلوم الأخرى لأنها كانت السمة العلمية المعتبرة في ذلك الوقت، ويمكننا أن نجمل خصائص نظرية الإسناد فيما يلي:
أولا: أكسبت نظرية الإسناد في منهج النقد عند المحدثين وجاهة بين العلوم الشرعية كما علمنا، فتسارع أصحاب العلوم الأخرى إلى اقتباس تلك النظرية وتطبيقها في كل الفروع.
ثانيا: أعطت نظرية الإسناد للنقد العلمي شفافية لا يمكن أن تتوفر بدونها، فصار النقد العلمي سهلا ومباشرا وواضحا.
ثالثا: جمع الروايات بأسانيدها وطرقها المتعددة لم يكن ترفا علميا أو مفاخرة بالكثرة كما ظن البعض، بل كان مقصودا لدى جهابذة النقد لتحقيق منهج النقد على أسس عملية سلمية، وكانت مقولتهم الشهيرة التي تختصر المنهج في كلمتين وهما:"قَمِّشْ ثم فّتِّشْ"أي اجمع ثم افحص وانقد.
رابعا: لم تقف نظرية الإسناد عند مجرد الرواية، بل عمل المحدثون على تطوير منهج النقد حتى يكون أكثر تقعيدا وتأصيلا، وتسلم من احتمالات الخطأ أو تقل احتمالاته فيه.
خامسا: صاحب الإسناد في كل أجياله - طبقاته- عملية توثيقية بالغة الإتقان في الرواية -تحملا وأداء- والكتابة -تصحيحا وتدقيقا- وفي الرواة - جرحا وتعديلا- وفي معرفة الروايات -نقدا وتعليلا- فصارت نظرية الإسناد بناء متكاملا، وعلى أساسه بنيت كل العلوم الشرعية الأخرى.
سادسا: لقد أتاحت نظرية الإسناد للنقاد أن يتناولوا النصوص والآثار بالبحث في صحتها عن طريق الملاحظات الدقيقة بحيث تبعد أحكامه عن نطاق الخرص والرجم بالغيب ، وتكون مبنية على أعلى شروط من الدقة والموضوعية والأمانة، ولم يكن ثمة بديل آخر لهذه الأمة عن طريق الإسناد في حفظ النصوص، وإلا كان شأنها شل شأن الأمم السابقة التي انفلتت منها أسانيد كتبها فتفرقت نصوصها أيادي سبأ.
سابعا: لقد كان الإسناد هو المحور الذي تطور حوله جهود المحدثين في تعلية منهج النقد، فكل محاولة في تهذيب هذا المنهج وتلافي قصوره أو ابتكار ما يزيده تقه وشفافية إنما كان يعتمد على مبدأ وجود الإسناد ولولاه كانت تلك الجهود التي بذلت في التصنيف في الجرح والعلل جهودا غير ذات موضوع، لأنها فقدت المحور الذي تعتمد عليه ومنه تنبثق.