إن كل هذه الخصائص غفل عنها أصحاب منهج النقد الأوروبي وهم يدرسون نظرية الإسناد عند المحدثين، فلقد أشار"شبر نجر"إلى تعاسة نظام الإسناد وأن اعتبار الحديث شيئا كاملا سندا ومتنا قد سبب ضررا كثيرا وفوضى عظيمة1.
وأما"ميور"معاصر"شبر نجر"فينتقد طريقة اعتماد الأسانيد في تصحيح الحديث لاحتمال الدس في سلسلة الرواة [59] .
ولا يخفي"مرغليوث"تبرمه وإعجابه معا من نظرية الإسناد وحين يقول:"ولكنه بالرغم من أن نظرية الإسناد سببت متاعب لا نهاية لها أحيانا بسبب الأبحاث التي ينبغي القيام بها لتوثيق كل راو، وإلفهم وضع لأحاديث وتقليدها أحيانا في سهولة ، لا يمكن الشك في قيمتها في قيمتها في ضمان الصحة، والمسلمون على حق في فخرهم بعلم الحديث". [60]
تدوين الأسانيد وحفظها
في بدايات القرن العشرين اشتهرت في الأوساط العلمية دراسات «جولدزيهر» و «شاخت» وأضرابهما من المستشرقين، وقد تركزت أهمية دراساتهم حول مصادر التلقي عند المسلمين، وبخاصة حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ووجدت هذه الشهرة أصداءها جنبات الأكاديميات العلمية في أرجاء العالم الإسلامي، وأعجب بها الكثير من الكتاب والمفكرين المسلمين، وكان من أكثر القضايا التي أحدثت ضجيجا قضية تدوين السنة.
فقد اشتهرت دراسات المستشرقين الألمان بخاصة بعمق وتحليل أضفى على أبحاثهم الوجاهة لدى العلماء والمفكرين، وتجدر الإشارة إلى دراسات «وشبرنجر» و «جولدزيهر» و «شاخت» .
وقد صدرت معظم هذه الدراسات عن قناعة من أصحابها بأن « التدوين للسنة لم يبدأ إلا في القرن الثاني الهجري» وأن هذه الفترة التي عول فيها المحدثون على الرواية الشفهية كانت فترة حافلة بعمليات وضع واختلاق الحديث بدوافع سياسية وكلامية ومذهبية [61] .
وممن تأثر بهذا الاتجاه الفكري وتبنى طرحه في صورة الأدب والتاريخ والبحث العلمي كُتَّابٌ في العالم الإسلامي نذكر منهم أحمد أمين وأبا رية وغيرهما [62] .
ولضراوة الهجمات التي مارسها المستشرقون ومن اقتنع برأيهم من المسلمين صارت قضية تأخر تدوين السنة من القضايا المسلمة لدى الباحثين، ومع كثرة ترداد قضية اختلاق ووضع السنة صارت الجمهرة من المثقفين المسلمين على قناعة بان أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كلها موضوعة، أو محل شك كبير على أقل تقدير. ولكن مع مضي النصف الأول من القرن العشرين صدرت مجموعة من الدراسات ذات القيمة العلمية العالية ، قام بها باحثون مسلمون وكانت معظمها في أكاديميات غربية، وخلصت تلك الدراسات- التي اعتمدت على وثائق محققه ومدروسة بعناية- إلى أن السنة قد دونت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم شأنها شأن القرآن ، وأن الأجيال المتعاقبة من لدن الصحابة حتى عصر التدوين المتوسع كانت تقوم بكتابة الأحاديث على نطاق متأصل ، لكنه لم يأخذه مداه وبعده المتوسع كتقليد علمي إلا في عصر التدوين الذي يبتدئ في نفايات القرن الأول الهجري.
ومن الدراسات القيمة في هذا الصدد والتي تجدر الإشارة إلى قيمتها العلمية ودراسات كل من:
1-الأستاذ محمد الأعظمي صاحب: « دراسات في الحديث النبوي » والذي كان أطروحة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة كامبردج . وقد اعتمد الأستاذ الأعظمي في دراساته على مخطوط قديم يعود إلى منتصف القرن الأول الهجري وهي"نسخة سُهيل بن أبي صالح"إضافة إلى استقصاء واسع لكل المصادر الحديثية بغية الوصول إلى إشارات تاريخية عن مدونات حديثية مبكرة، قد توصل إلى مئات النصوص الواضحة الصريحة التي تثبت وجود تدوين للسنة منذ عهد مبكر. وقد تناول الأستاذ الأعظمي دراسات المستشرقين وبالأخص « جوزيف شاخت» وحاول معرفة سبب النتائج الخاطئة التي وصلوا إليها فأشار إلى أن من أهم الأسباب عدم الاعتماد على منهج علمي واستقراء كاف ،مع وجود نصيب كبير من الهوى والحقد [63] .
2-ا ... لأستاذ محمد عجاج الخطيب صاحب « السنة قبل التدوين » ، وقد كانت نتائج بحثه شبيهة بنتائج أبحاث الأستاذ الأعظمي.
3-الأستاذ امتياز أحمد الذي أجرى دراسات معمقة لنيل درجة الدكتوراه في جامعة أدنبره ببريطانيا عن أطروحته: « دلائل التوثيق المبكر للسنة والحديث» .
4-الأستاذ محمد حميد الله صاحب « مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة. دار النفائس .ط 1405هـ .
5-الأستاذ فؤاد سزكين . الباحث الشهير، والذي أجرى دراسات بلغت الغاية في الدقة والاستقصاء وتوصل إلى نتائج أبعد مدى من السابقين حيث استنتج من دراسات أسانيد البخاري وبعض المصنفات الأخرى أن جملة المرويات الشفوية التي تداولها المحدثون في مصنفاتهم عبر سلاسل الإسناد تشير في الواقع إلى مصادر تحريرية حتى ولو ظهر في بادئ الأمر أنها تدل على الرواية الشفوية.
وقد أودع دراساته هذه في بحث خاص عن صحيح البخاري طبع بالألمانية، وفي ثنايا موسوعته الكبرى عن «تاريخ التراث العربي» .