فهرس الكتاب

الصفحة 2634 من 3657

لقد تكفلت هذه الدراسات بدفع الفرية الكبرى التي ظلت تحتل مكانة مرموقة في الأوساط العلمية في أوروبا وفي العالم الإسلامي وهي أن « السنة لم تدون إلا في عصر متأخر مما أدى إلى سهولة سريان حركة الاختلاق إلى مادتها» لكن هذه الدراسات كلها اتفقت على مبدأ التدوين على حساب التهوين من مبدأ الرواية الشفوية التي كانت تعتمد على الحفظ ، أعني حفظ الصدر الذي يعتمد على الذاكرة [64] .

والملاحظ أن نظرية أولئك الباحثين كانت أشبه برد نعل عكسي ومضاد لافتراآت المستشرقين ، فقد أقام المستشرقون أبحاثهم على أساس أن المحدثين كانوا يعتمدون على الرواية الشفوية التي مبناها على الحفظ والذاكرة [65] وذلك لأجل إثبات وقوع الاختلاف والتحريف فكانت أبحاث العظمي وسيزكين وغيرهما تصب في اتجاه إثبات العكس بغية درء تهمة الاختلاف والتحريف.

وقد حاول الأستاذ سيزكين رد الفهم الخاطئ للمستشرقين في هذا الباب إلى عدم إدراكهم لمعاني الاصطلاحات الحديثية مثل « حدثنا » و «أخبرنا » و « عن» إذ يرى - سيزكين - أن هذه الألفاظ لا تدل بالضرورة على روايات شفوية، بل إن بعضها قد يستخدم في الإجازة والنقل عن مرويات تحريرية [66] .

والواقع أن أحكام المستشرقين التي دارت حول قضية الحفظ والذاكرة ناشئة بالدرجة الأولى عن الآراء المسبقة التي تشبع بها المستشرقون أو عن التراث الحضاري الغربي الذي بفكر به المستشرقون وبه يبحثون ويدرسون … ثم يحكون.

والى هذه النقطة المهمة يشير مستشرق اشتهر بدراساته التاريخية عن التراث الإسلامي وهو فرانز روزنتال إذ يقول:"إن نقطة البداية التي ننطلق منها لفحص تاريخ علم التاريخ أمة أو فترة هي آراؤها الخاصة عن وظيفة التاريخ وواجب المؤرخ، وهذه الآراء هي نتائج زماننا أي لقرنين ونصف القرن الأخيرة من « التاريخية » وهذه الآراء من خصائص المدنية الغربية الحديثة، وعلم التاريخ في أي مجتمع لا يكون جزءا من المدنية الغربية الحديثة، بل يخضع لعوامل محيطية مختلفة وتكيفه قيم فكرية تختلف موازينها اختلافا كبيرا، ويجدر بنا أن نتذكر هذه الحقيقة طوال بحثنا في علم التاريخ الإسلامي» [67] ."

والعجيب أن روزنتال نفسه أول المخالفين أو المتغافلين عن خصوصيته المعرفة الإسلامية فطفق يهون من شأن قضية الحفظ والذاكرة في كتابه: مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي: « إن العلماء المحدثين - أي المعاصرين - الذين يعيشون في عالم لم تعد فيه أهمية للعلم المحفوظ في الذاكرة يبالغون في الاهتمام بما يسمعونه من أخبار عن قوة الذاكرة التي كان يتميز بها العلماء المسلمون ، بأنهم -كذا - يشعرون أن هذه الظاهرة تتوفر لهم احسن الظروف لدراسة أهمية الرواية الشفوية في نقل الأخبار الدينية والدبية .. نعم إن حفظ القرآن غيبا إلى جانب عدد كبير من الأحاديث والشعار والقصص حقيقة حرية بالاعتبار، ولكن بعد أن وفرت الطباعة طبع المحفوظات على نطاق واسع فإنه إرهاق الذاكرة أصبح من وجهة نظر العالم أمرا لا طائل تحته» [68] .

إن هذا الكلام صادر عن قناعة واضحة بآلية معينة في تناول العلوم لم تدرك بعد عمق قضية الحفظ والذاكرة وحقيقتها في منظومة المعرفة الإسلامية.

ليس هذا وجهة نظر فردية بل اتجاه علمي أوروبي غير مقتنع بمنهج المسلمين في حفظ المعلومات عن طريق الذاكرة يقول لانجلوا في « المدخل إلى الدراسات التاريخية» : « هناك طريقة أوغل في الوحشية لن نذكرها إلا من باب الإضراب وتتلخص في تسجيل الوثائق في الذاكرة دون تقيد شئ كتابة ، وهناك من استخدموها ، فبعض المؤرخين الذين وهبوا ذاكرة ممتازة وكسولا (كذا) قد لذ لهم هذا الوهم، وكانت النتيجة أن معظم اقتباساتهم وإشاراتهم إلى المراجع غير حقيقة فالذاكرة جهاز تسجيل بالغ اللطافة لكنه قليل الدقة، ولهذا فان مثل هذه المخاطرة ليس لها أي مبرر» [69] .

ويعتبر مرغليوث طريقة الذاكرة- عند المسلمين - سببا لعرقلة جهود هؤلاء الذين حاولوا أن يضمنوا الصحة عن هذا الطريق. [70]

وأشار الأستاذ حسين نصار إلى أن الروايات الكثيرة التي كانت تعتمد غالبا على الذاكرة سببت بعض وجوه من النقص والفوضى، فان النسيان اعترى بعض هؤلاء المؤرخين فجعل بعض رواياتهم تضطرب. [71]

لكن الأستاذ شاكر مصطفى يعترف بوجوب هذه الحلقة - الذاكرة- في دائرة التدوين ألا أنه يجزم بأن « حفظ العلم لم يكن له إلا أضأل الأثر ولا كان له في نقله إلا الدور القصير المحدود» [72] ، لقد كان اتجاها أشبه بالقوانين الخفية يندر أن نجد من يخالفها من الباحثين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت