فهرس الكتاب

الصفحة 2635 من 3657

وقد تبنى الأستاذ سيزكين [73] هذه القناعة وبني عليها كل ما وجده من نصوص تشير إلى قوة الحفظ الخارقة عند المحدثين داعيا « إلى استخراج الدلالة الصحيحة للأخبار الكثيرة التي تروي أن هذا المحدث أو ذاك، قد حفظ مائتي ألف حديث ونحن نفسر اليوم مثل هذا معجبين بقوة ذاكرة الإنسان في تلك العصور أو معتبرين هذا نوعا من المبالغة أو مطرحين هذا جانبا وكأنه من قصص الكرامات ورغم أن المبالغة في هذا الرقم بديهية في معظم الأحوال إلا أننا نعرف من البحث الدقيق لكتب الحديث أن الروايات المختلفة تدخل أيضا في هذا الحساب وهذه الروايات لا تختلف إلا اختلافا يسيرا يتناول الإسناد وكانت تعد كل رواية قائمة برأسها وبهذا بلغ عدد النصوص بضعة آلاف» ثم يورد الإسناد سيزكين بعضا من الروايات التي تفيد خطأ الرواة الذين اعتمدوا على حفظهم موحيا أن « سائر المحدثين كانوا يلاحظون بسهولة اختلاف الأحاديث المروية من الذاكرة والأخرى المروية عن نص مدون» [74] .

ويشعر المرء أحيانا أن مثل أولئك الباحثين - على نفاسة دراساتهم - يعتقدون أن الحفظ والذاكرة عند المحدثين أسطورة أو خرافة ، أو سبة يجب أن يوجد السبيل لإزالتها ومحو آثارها.

ولا شك أن أبحاث أولئك الباحثين المسلمين كانت ذات قيمة عالية ونتائج حاسمة في أبحاث التدوين المبكر لأسانيد والأحاديث لكنها أغفلت جانبا لا يمكن إنكاره وهو أن الحفظ والذاكرة أو رواية الصدر شكلت أهم الآليات التي اعتمد عليها المحدثون في نقل وحفظ الأسانيد والنصوص وأن التدوين هو الذي كان شأنا ثانويا وذلك في عصر الرواية على الأقل.

وليست الروايات التي تذكر حفظ الأئمة لمئات الآلاف من الأحاديث مجرد كرامات أو قصص أسطورية أو أرقام مبالغ فيها.

وما تأوله الإسناد سزكين من أن تكرار الروايات والأسانيد المتشابهة يختزل العدد إلى بضعة الآلاف لا يدفع وجه العبقرية في أن المحدثين استطاعوا أن يحفظوا هذا العدد من الروايات والأسانيد المتشابهة ذوات الفروق البسيطة بحيث لا يختلط إسناد في إسناد ولا نص في نص مع دقة التشابه ،ولقد كان هذا الحفظ هو عماد النقاد في معرفة الرواية الراجحة عبر الموازنة بين الأسانيد والروايات لمعرفة وجه الخطأ وانتقاء الصواب من ركام الروايات التي يتخلل فيها الخطأ البسيط فيستطيع النقاد تصفية ذلك.

ونستطيع أن نستثني ا الأستاذ محمد عجاج الخطيب والأستاذ صبحي صالح من أولئك الباحثين الذين لم يغفلوا عن دور الذاكرة وحفظ الصدر حيث نبها إلى أن المحدثين « اجتهدوا وسعهم لحفظ الحديث بأسانيد ه في مصنفات ومسانيد تكفل لأهل العلم معرفة القوى الضعيف» [75] .

والدليل على أن الحفظ ورواية الصدر أو الاعتماد على الذاكرة استمر هو التقليد المتبع في رواية الأحاديث الأمور الآتية:

... ... أولا: أن العصور المتأخرة هي التي عولت على المدونات والمصنفات يقول ابن الصلاح [76] : « فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بادراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان» .

... ... ثانيا: أن المحدثين قد نصوا في علم المصطلح على أن الرواية الصحيحة المقبولة هي « التي يرويها العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه بدون شذوذ ولا علة» وفسروا الضبط بأنه نوعان: « ضبط صدر وضبط كتاب» ، ثم فسروا ضبط الصدر بأنه « الحفظ في الذاكرة بأن يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، وضبط الكتاب"بصيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يؤدي منه". [77]

وواضح أن ضبط الصدر يعتمد على الحفظ والذاكرة ومع ذلك فكان الراوي الذي يعتمد على حفظ الكتاب إذا روى من حفظ صدره ضعف ، ونجد في كتب الرجال مصطلحات من قبيل:"صحيح الكتاب"أو"ثقة إذا حدث من كتابه".

وتصحيح الرواية من الكتاب هو الذي استقر عليه عرف المحدثين بعد أن كانت المدرسة الحديثية التقليدية ترفض ذلك وتأباه.

فقد قال أشهب لمالك: الرجل يخرج كتابه وهو ثقة، فيقول: هذا سماعي إلا أنه لا يحفظ؟ قال:"لا يسمع منه". قال يونس بن عبد الأعلى الراوي عن أشهب:"لأنه إن أدخل عليه لا يعرف". وفي رواية أخرى لمالك قال:"لا يؤخذ منه أخاف أن زاد في كتبه". [78]

وعن أحمد ابن حنبل قال: لا ينبغي للرجل إذا لم يعرف الحديث - أي يحفظه- أن يحدث. ثم قال: صار الحديث يحدث به من لا يعرفه ثم استرجع. هذا مع أن أحمد ابن حنبل كان لا يحدث إلا من كتابه كما قال علي ابن المديني.

وقال هيثم: من لم يحفظ الحديث فليس هو من أصحاب الحديث ، يجيء أحدهم بكتاب كأنه سجل مكاتب. [79]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت