فهرس الكتاب

الصفحة 2636 من 3657

ويعلق الخطيب البغدادي على ذلك قائلا:"ونرى العلة التي لأجلها منعوا صحة السماع من الضرير والبصير الأمي هي جواز الإدخال عليهما ما ليس من سماعهما وهي العلة التي ذكرها مالك فيمن له كتب وسماعه صحيح فيها غير أنه لا يحفظ ما تضمنت، فمن احتاط في حفظ كتابه ولم يقرأ إلا منه وسلم من أن يدخل عليه غير سماعه جازت روايته"… ثم ذكر روايات السلف في ذلك. [80]

والدليل على أن الأصل في قبول رواية الراوي هو حفظه: أن المحدثين لم يقبلوا رواية سيء الحفظ إلا بما رواه من أصل كتابه.

فمن ذلك أن يزيد بن زُريع سئل عن هَمّام فقال: كتابه صالح وحفظه لا يسوى شيئا. وقال ابن عمار: شَرِيك -يعني القاضي- كتبه صحاح، فمن سمع من كتبه فهو صحيح، قال: ولم يسمع من شريك من كتابه إلا إسحاق الأزرق. وقال يحي بن سعيد: إذا حدثكم المعتمر بن سليمان بشيء فاعرضوه فإنه سيء الحفظ. [81]

ثالثا: لو اعتبرنا أن الرواية في العصور المبكرة كانت تعتمد على المصادر المدونة في الغالب كما يقول سيزكين وغيره فإن كل ما دونه علماء الحديث من جرح وتعديل وعلل يكون غير ذي موضوع، لأن الرواية عن الكتب تكون مضمونة عن الأخطاء في الغالب ، ولا يعقل أن تحدث تحريفات أو زيادات في الروايات التي تداولها المحدثون عن الكتب في طول سلسلة الإسناد.

رابعا: إن نظرية الإسناد قامت أساسا على مبدأ الحفظ في الذاكرة، إذ لو كان السلف يعتمدون على المدونات والكتب لتداولها دون تحديث أو مشافهة، لكن النشاط العلمي عندهم كان مبنيا كله على المشافهة، وهذا بعرفه من له أدنى إلمام بتاريخ العلوم الإسلام. ولذلك اشتهر عندهم ذم من يعتمد على الصحف في العلوم، ولهم في ذلك مقولات شهيرة.

يقول الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في كتابه"الحث على حفظ العلم": « فإن الله عز وجل خص أمتنا بحفظ القرآن والعلم ، وقد كان من قبلنا يقرءون كتبهم من الصحف ولا يقدرون على الحفظ، فلما جاء"عزير"فقرأ التوراة من حفظه قالوا:هذا ابن الله ! فكيف نقوم بشكر من خولنا أن ابن سبع سنين منا يقرأ القرآن عن ظهر قلب، ثم ليس في الأمم ممن ينقل عن نبيه أقواله وأفعاله على وجه تحصل به الثقة إلا نحن، فإنه يروي الحديث منا خالفٌ عن سالف، وينظرون ثقة الراوي إلى أن يصل الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأمم يروون ما يذكرونه عن صحيفة لا يدرى من كتبها ولا يعرف من نقلها ، وهذه المنحة العظيمة -أي الرواية- نفتقر إلى حفظها، وحفظها بدوام الدراسة ليبقى المحفوظ…» [82] .

خامسا:تشير روايات كثيرة [83] إلى أن كتب المحدثين كانت تبلغ قدرا كبيرا جدا يجعل من المستحيل تصور أن المحدثين كانوا يصطحبونها معهم في كل مجالس تحديثهم، فالمتوجه أن نفترض أن مجالس الحديث كانت تعقد بالاعتماد على الحفظ والذاكرة في الغالب والتحديث من الكاتب كان هو الطارئ.

سادسا: إن دراسة كثير من مصطلحات المحدثين تنبئ بحقيقة مكانة حفظ الصدر عندهم، فمن ذلك اصطلاحهم على تسمية الرواية التي رويت على الوجه الصحيح بالموافقة لروايات الثقات بأنها الرواية"المحفوظة"، ومن ذلك أيضا استعمالهم اصطلاحات من قبيل:"ضعيف،له أوهام، بغلط"كل ذلك منصرف إلى الحفظ ليس غير، ويمكن للعين الملاحظة أن تدرك المساحة الكبيرة التي تحتلها تلك الاصطلاحات في علم الرجال والعلل وهما عماد علم النقد عند المحدثين.

وقد أبعد الأستاذ سيزكين النجعة حين اعتبر تزكية الأئمة لراو وتلقيبه بـ"صاحب حفظ"أن ذلك مجرد تكريم له [84] ، بل إن ذلك له علاقة وطيدة بمنهج نقد الروايات والجرح والتعديل كما يعلم كل خبير بهذا الفن.

سابعا: قال الإمام الترمذي في كتابه:"العلل الصغير":"وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع…" [85] .

كل هذه الأمور تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن حفظ الصدر والذاكرة عند منهج المحدثين في النقد كانت تشكل بعدا عميقا في نظرية الإسناد بحيث يصعب الفصل بين هذه العناصر: ( الحفظ، الإسناد،النقد) .

الخلاصة.

1-احتل الإسناد مكانته العالية وتم التنظير العلمي له منذ وقت مبكر على يد المحدثين، وأشهر من نظر له من المتقدمين عبد الله بن المبارك.

2-تميز الإسناد بخصائص ذاتية أهلته أن يكون السمة العلمية التي يتميز بها أصحاب العلوم، كما أنه صار الأساس الذي بني عليه منهج النقد عند المحدثين

3-لقد تم تدرين الأحاديث وأسانيده منذ عصر مبكر، لكن حفظ الذاكرة كان عنصرا مهما في صيانة تلك الأسانيد إلى جانب المدونات، وقد قام منهج النقد عند المحدثين على اعتبار هذا الجانب في ضبط الراوي الذي يستخدم الإسناد في نقل النصوص حتى غدا معيارا لقبول أو رفض روايات النقلة.

[1] - دراسات في الحديث النبوي محمد الأعظمي (2/422) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت