فالمؤرخون الأوروبيون قطعوا الأمل في حصول أي نوع من أنواع الملاحظة المباشرة للواقعة التاريخية، والمحدثون قد أدركوا هذه الاستحالة في الواقع العملي لكنهم حاولوا أن يوفروا مجالا لتحقق نوع من أنواع الملاحظة المباشرة حتى يخرج هذا العلم عن حيز الخرص والأوهام.
يقول الأستاذ عثمان موافي:"فمنهج الملاحظة غير المباشرة الذي هو أساس كل بحث تاريخي في عصرنا الحاضر من الصعوبة بمكان أن نصل منه إلى اليقين، بينما المعرفة الإسلامية التي أساسها منهج الملاحظة المباشرة في درجة أقرب إلى العلم واليقين لأنها كما أشرنا ترتد أصلا إلى رؤية حسية مباشرة للظاهرة موضوع البحث والدرس، وهي ليست يقينية تماما وإنما في درجة أقرب إلى اليقين".
وقد أشار الأستاذ موافي إلى أن المنهج الإسلامي في رواية الخبر اعتمد التجربة وذلك بالموازنة بين الروايات ومعارضة المكتوب على السماع [3] .
لقد كان الإسناد هو المعمل أو المختبر الذي تجري فيه الملاحظة المباشرة ، ليس للواقعة التاريخية ولكن لمن شاهدوا الواقعة التاريخية .
يقول مرغليوث:"والمنهج الثاني لضمان الصحة - في تسجيل الأحداث - هو الإسناد ، وهو سلسلة الرواة الذين يمكن تتبع آثار الرواية عن طريقهم إلى شاهد العيان الأصلي" [4] .
إن الملاحظة شبه المباشرة التي تولد اليقين نظر لها المحدثون في مناهج نقدهم ، واعتبروا أن الخبر الذي ورد بإسناد صحيح في ميزان نقدهم"يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار" [5] .
وجعلوا من الأخبار التي تفيد العلم النظري بالقرائن ما أخرجه البخاري ومسلم في صحيحها مما لم يبلغ حد التواتر ، ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين حيث لا يكون غريبا ، كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلا ويشاركه فيه غيره عن الشافعي ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس، فإنه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام الكثير من غيرهم [6] .
واعتبر المحدثون أن الإسناد الذي ينقده العالم المتبحر في الحديث العارف بأحوال الرواة المطلع على العلل يفيد العلم بصدق الخبر ويسوغ القطع بوقوعه [7] .
لقد عرف منهج النقد التاريخي الأوروبي فكرة الإسناد، لكنه لم يتخيل أصلا إمكانية نقد الخبر عن طريق الإسناد في الواقع العملي .
يقول لانجلوا وسينوبوس:"هذا البحث عن المشاهد الأصلي ليس غير معقول من الناحية المنطقية فمجاميع الروايات العربية القديمة تعطي أسانيد الرواية، لكننا في الواقع العملي نفتقر دائما إلى معلومات عن السند تصعد بنا إلى المشاهد الأصلي فتظل المشاهد مجهولة الصاحب". [8]
ولا نغالي إذا قلنا إن المنهج الأوروبي تخبط أيضا في آلية الرواية ونقلها عبر الرواة، ففي موضع من كتابهما يعتبر لانجوا وسينوبوس الأحداث التاريخية شديدة التعقيد وأنه من غير المحتمل مطلقا أن يرويها مشاهدان مستقلان بنفس الطريقة" [9] . لكن سينوبوس في رسالة له في النقد التاريخي يبدو أكثر نفهما حين يقول:"فالأقوال إذا اتفقت ، فإن اتفاقها ليس من الممكن عمليا أن يقع إلا لأنها تتفق مع الحقيقة الواقعية" [10] ."
إن هذا التخبط يعكس حجم المعوقات التي تخيلها المؤرخون الأوربيون حائلة بين المؤرخ وبين الملاحظة المباشرة ، ولقد فطن المحدثون لكل تلك المعوقات وذللوها وهيئوا للنقد مجالا علميا دقيقا وشفافا إلى أبعد الحدود.
إذا تبين لنا تفرد منهج النقد عند المحدثين بخصيصة الإسناد الذي جعلهم أقدر على الفحص والملاحظة المباشرة للرواية من غيرهم، نبين هنا مادة الإسناد وما يتكون منه ، ونبين الجهود التوثيقية [11] المصاحبة للرواية منذ صدورها عن صاحبها حتى تدوينها في الكتاب، ثم الجهود التوثيقية الأخرى التي ضمنت المحافظة على الرواية المدونة من الانتحال أو التحريف أو التصحيف.
ومن العرض الذي سنقدمه سندرك أن نظرية الإسناد قامت على توفير أكبر قدر ممكن من الدقة في التوثيق الرواية من بداية السند على قسمين:
وينبغي أن يتنبه إلى أن الإسناد كان حاضرا في الحالتين بصفته القالب العلمي الذي تمارس مت خلاله أي عملية توثيقية .
القسم الأول: توثيق رواية الواقعة التاريخية منذ حدوثها إلى تدوينها
إن عبقرية نظرية الإسناد تكمن في أنها أتاحت للناقد أن يتوغل في الزمان المجرد، ويتدخل بآلته في النقد كأنه طبيب يفحص حالة كل راو لتلك، ويلاحظ بنفسه قدرة كل راو على نقل تلك الرواية"على وجهها".
يمكننا تقسيم الإسناد منذ حدوث الرواية إلى تدوينها على ثلاثة أقسام: طرفان ووسط.
الطرف الأول: هو بداية السند، أي المشاهد للواقعة وليس بالضرورة أن يكون صحابيا، فإن أي واقعة مروية بالسند يكون المشاهد لها والراوي لتفاصيلها هو طرف السند الأول.