الطرف الثاني: وهو المصنف الذي دون الواقعة، ويرويها في كتابه بإسناده إلى الطرف الأول.
الوسط: وهي سلسلة الإسناد بين ذينك الطرفين من الرواة الذين شاركوا في نقل الرواية عن بعضهم حتى وصلت عن طريقهم في الطرف الأول إلى الطرف الثاني.
لقد اشترط المحدثون شروطا كثيرا لضمان توثيق هذه المراحل، جزء منها متعلق بنظرية الجرح والتعديل وهي الصفات التي يجب توافرها في مادة الإسناد أي الرواة والنقلة لضمان عدم حدوث الخطأ منهم، ولكن حتى يتمكن الناقد من القيام بهذه العملية التوثيقية فإنه يحتاج إلى أن يصل إليه الإسناد بمادته الأصلية دون تحريف، ومن ثم يتاح له إعمال النظر في أحوال الرواة بمقتضى نظرية الجرح والتعديل التي ستأتي بعد هذا الباب.
لكن التوثيق الخاص بمادة الإسناد يصطحب الرواية منذ حدوثها إلى تدوينها.
وسنعرض على النحو الآتي:
أولا: توثيق المشاهد للواقعة (الطرف الأول من الإسناد) .
استقرت كلمة المحدثين على ضرورة أن يكون المشاهد للواقعة في حالة تسمح له بروايتها دون أي عوائق تؤثر في صحة المشاهدة.
وعبروا عن ذلك بضرورة وجود صفة التمييز أي فهم الخطاب ورد الجواب.
قال ابن الصلاح بعد أن ذكر خلاف المحدثين في سن التحمل: « والذي ينبغي في ذلك أن يعتبر في كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعا عن حالة من لا يعقل فهما للخطاب وردا للجواب ونحو ذلك صححنا سماعه وإن كان دون خمس سنين، وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين» . [12]
والتمييز الذي اشترطه المحدثون في مشاهد الواقعة يتناسب طردا مع نوع الحادثة التي شاهدها، فلا يجدي مجرد التمييز في وصف حرب أو معركة أو واقعة معقدة التفاصيل.
لذلك أحال المحدثون روايات عبد الله بن عباس للوقائع المكية إلى روايات صحابة أخذ عنهم ابن عباس لأنه لم يكن في سن تتيح له أن يروي ويصف بعض الوقائع المعقدة وهو إذ ذاك بمكة صغير. [13]
وهذا الشرط الذي وضعه المحدثون أدق من الأسئلة غير المنطقية التي يضعها لانجلوا وسينوبوس في عملية النقد الباطني السلبي، لأن شرط المحدثين عام، ثم تراعى خصوصيات كل واقعة بما يناسبها، أما أسئلة أصحاب النقد التاريخي فإنها قد تكون عقيمة أو معقدة في بعض الظروف. [14]
أما عمليات فحص حالة الراوي المشاهد للواقعة فسيأتي تناولها في نظرية الجرح والتعديل، لكننا نشير ههنا إلى أن الخطأ المحتمل في مشاهدة الواقعة وارد على كل الرواة بما فيهم الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا أمر منفصل عن قضية عدالة الصحابة.
ثانيا: توثيق نقل الرواية عبر طبقات السند.
تعتبر هذه المرحلة من أكثر المراحل صعوبة وتعقيدا، لأنها تتناول كل طبقات السند حتى يتم تدوين الرواية، والمطلوب تحصيل أعلى قدر ممكن من الدقة والأمانة في نقل الرواية عبر طبقات السند.
ويلاحظ أن التوثيق ينصب على الإسناد بالدرجة الأولى، أما الرواية نفسها أو الواقعة أو المتن (كما يسميه المحدثون) فهي تابعة للسند، لذلك كان الحرص على توصيل الإسناد بكامل الفنيات التي مارسها الرواة في التوثيق لتصل للناقد دون تحريف.
وفي سبيل ذلك حرر المحدثون كيفيات نقل الرواية وبينوا الصفة المعتبرة منها وغير المعتبرة.
وحاصل كيفيات الرواية تعود إلى طريقتين:
الطريقة الأولى: الأخذ المباشر بين الرواة، بمعنى سماع الرواية على وجه التحقيق بالمشافهة بينهم وتتفرع إلى طريقتين أيضا:
الأولى: سماع التلميذ لفظ شيخه، سواء كان إملاء من الشيخ أو بدون إملاء. [15] وسواء كان من كتاب الشيخ أو من حفظه. وهذه الطريقة هي أرفع الأقسام وأعلاها عند المحدثين.
واصطلحوا لهذه الطريقة ألفاظا خاصة تدل عليها مثل: سمعت وسمعنا وحدثني وحدثنا واخبرني واخبرنا [16] وأنبأني وأنبأنا. [17]
وهم تفريق بين ما يسمع في وقت التعليم والرواية المعتبرة وبين ما يسمع في وقت المذاكرة أي المباحثة، واستحبوا التمييز باصطلاح معين. [18]
الثانية: القراءة على الشيخ ويسميها أكثر المحدثين"عرضا"سواء قرأ التلميذ بنفسه على الشيخ أو قرأ غيره وهو يسمع من كتاب أو من حفظ سواء حفظ الشيخ أم لم يحفظ، غير أنهم اشترطوا إذا لم يكن الشيخ حافظا أن تكون القراءة عليه من كتاب ويكون الكتاب بيد موثوق به، إلا لم تعتبر الرواية. [19]