وللمحدثين تدقيقات في هذا الباب تدل على كمال الإتقان، فمن ذلك أنه إذ كثر التلاميذ واحتج الشيخ إلى مستمل ليسمع من بعد فإن التلميذ لا يجوز له أن يروي الكلام عن شيخه إذا سمعه من المستملي، وألزمه النقاد أن يبين ما هو من سماعه من الشيخ وما هو من سماعه من المستملي. [20] والعجيب أن هذا التيقظ والإتقان كان موجودا منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، ففي صحيح البخاري [21] عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: « يكون اثنا عشر أميرا» فقال كلمة لم أسمعها، فسألت أبي، فقال: « كلهم من قريش» فقد بين جابر ما كان سماعه وما كان من سماع غيره عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الطريقة الثانية: الأخذ بغير طريق المشافهة. مثل الإجازة بالرواية على أنواعها [22] ، والمناولة [23] ، والكتابة [24] ، والإعلام [25] ، والوصية [26] ، والوجادة [27] .
ولقد تناول المحدثون قضية التحمل والداء، والدقة في تبليغ صيغهما لأجل نقل الإسناد بحاله إلى التاقد حتى يتهيأ له أكبر قدر من الملاحظة المباشرة، مع أن الفارق بينهما ضعيف، ومن قبله منعوا منعا جازما استبدال"حدثنا"بـ"عن"، لأن ذلك يؤثر فيما لو كان الراوي مدلسا. [28]
ولقد كانت هذه السلسلة من الاحتياطات الدقيقة جزءا من عمليات التوثيق المتعاقبة، والتي تحتف بالرواية منذ حدوثها حتى تدوينها وتداولها.
وهذا كله تمهيد لعملية النقد التي سيجريها الناقد من خلال آليات أخرى أكثر تعقيدا وسنتعرض لها في محلها من نظريتي: الجرح والتعديل، والعلل.
فإذا دونت الرواية في كتاب واستقر نقل تلك الرواية عن طريق الكتاب، فإن المحدثين جعلوا للنقل والرواية حينئذ آلية توثيقية أخرى، هي القسم الثاني من عمليات التوثيق التي تستمر في سلسلة الإسناد حتى منتهاه.
القسم الثاني: توثيق الرواية منذ تدوينها إلى نشرها وتداولها عن طريق الأوساط العلمية.
تمر هذه العملية بمرحلتين:
المرحلة الأولى: ضبط مادة الكتاب (الوثيق) عن طريق إتقان كتابة محتوياتها ومقابلتها على النسخ الصحيحة المعتمدة.
المرحلة الثانية: المحافظة على تداول الكتاب رسميا عن طريق سماعه كله أو بعضه أو التنصيص عليه في الإجازات [29] .
المرحلة الأولى: ضبط مادة الكتاب
إن الفنيات التي ابتكرها المحدثون لكتابة المحدثون لكتابة المصنفات ونسخها نعطيهم سبقا تاريخيا يقينيا في ابتكار قواعد الكتابة والإملاء [30] .
ولم يكن هذا الأمر مجرد هواية، بل تقليدا عميا منصوصا عليه- بتفاصيله- في مؤلفات القوم [31] .
يقول ابن الصلاح:"ثم إن على كتبة الحديث وطلبته صرف الهمة إلى ضبط ما يكتبونه أو يحصلونه بخط الغير من مروياتهم على الوجه الذي رووه شكلا ونقطا يؤمن معهما الالتباس، وكثيرا ما يتهاون بذلك الواثق بذهنه وتيقظه، وذلك وخيم العاقبة، فإن الإنسان معرض للنسيان، وأول ناس أول الناس، وإعجام المكتوب يمنع من استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله" [32] .
ويفيد هنا أن نذكر بعض تلك التفصيلات الفنية التي نص عليها المحدثون ليتبين لنا مستوى التوثيق في هذه المرحلة [33] .
يقول ابن الصلاح [34] : وهذا بيان أمور مفيدة في ضبط الكتاب:
أحدهما: ينبغي أن يكون اعتناؤه من بين ما يلتبس بضبط الملتبس من أسماء الناس أكثر، فإنها لا تستدرك بالمعنى ولا يستدل عليها بما قبل وبعد.
الثاني: يستحب في الألفاظ المشكلة أن يكرر ضبطها، بأن يضبطها في متن الكتاب ثم قبالة ذلك في الحاشية مفردة مضبوطة، فإن ذلك أبلغ في إنابتها وأبعد من التباسها.
الثالث: يكره الخط الدقيق من غير عذر يقتضيه، والعذر في ذلك مثل أن لا يجد في الورق سعة أو يكون رحالا يحتاج إلى تدقيق الخط ليخف عليه محمل كتابه ونحو هذا.
الرابع: يختار له في خطه التحقيق ( التأني في الكتابة) دون المشق ( السرعة في الكتابة) .
الخامس: كما تضبط الحروف المعجمة بالنقط كذلك ينبغي أن تضبط المهملات غير المعجمة بعلامة الإهمال لتدل على عدم إعجامها.
السادس: ينبغي أن يصطلح مع نفسه كتابه بما لا يفهمه غيره فبوقع غيره في حيرة، كفعل من يجمع في كتابه بين روايات مختلفة ويرمز إلى رواية كل راو بحرف واحد من اسمه أو حرفين وما أشبه ذلك.
السابع: ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة تفصل بينهما وتميز.
الثامن: يكره له في مثل"عبد الله بن فلان بن فلان"أن يكتب"عبد"في آخر سطر والباقي في أول السطر، وكذلك في سائر الأسماء المشتملة على التعبيد لله تعالى .
التاسع: المختار في كيفية تخريج الساقط في الحواشي - ويسمى اللحق بفتح الحاء - أن يخط من موضع سقوطه من السطر خطا صاعدا إلى فوق ثم يعطفه بين السطرين عطفه يسيرة إلى جهة الحاشية التي يكتب فيها اللحق، ويبدأ في الحاشية بكتابة اللحق مقابل للخط المنعطف وليكن ذلك في حاشية ذات اليمين، وإن كانت تلي وسط الورقة إن اتسعت له فليكتبه صاعدا إلى أعلى الورقة لا نازلا به إلى أسفل .