العاشر: من شأن الحذاق المتقنين العناية بالتصحيح والتضبيب أو التمريض .
أما التصحيح فهو كتابة"صح"على الكلام أو عنده، ولا يفعل ذلك إلا فيما صح رواية ومعنى غير انه عرضة للشك أو الخلاف فيكتب عليه"صح"ليعرف انه لم يغفل عته ، وأنه قد ضبط وصح على ذلك الوجه.
وأما التضبيب ويسمى أيضا التمريض فيجعل على ما صح وروده كذلك من جهة النقل غير انه فاسد لفظا أو معنى أو ضعيف أو ناقص، مثل أن يكون غير جائز من حيث العربية أو يكون شاذا عند أهلها يأباه أكثرهم أو مصحفا، أو ينقص من جملة الكلام كلمة أو أكثر وما أشبه ذلك، فيمد - على ما هذا سبيله - خط أوله مثل الصاد ولا يلزق بالكلمة المعلم عليها كيلا يظن ضربا، وكأنه صاد التصحيح بمدتها دون حائها كتبت ليفرق بين ما صح مطلقا من جهة الرواية وغيرها وبين ما صح من جهة الرواية دون غيرها فلم يكمل عليه التصحيح، وكتب حرف ناقص على حرف ناقص إشعارا بنقصه ومرضه مع صحة نقله وروايته وتنبيها بذلك لمن ينظر في كتابه على انه قد وقف عليه ونقله على ما هو عليه، ولعل غيره قد يخرج له وجها صحيحا أو يظهر له، بعد ذلك في صحته ما لم يظهر له الآن، ولو غير ذلك وأصلحه على ما عنده لكان متعرضا لما وقع فيه غير واحد من المتجاسرين الذين غيروا وظهر الصواب فيما أنكروه والفساد فيما أصلحوه [35] .
الحادي عشر: إذا وقع في الكتاب ما ليس منه فإنه بنفي عنه بالضرب أو الحك أو المحو، أو غير ذلك، والضرب خير من الحك والمحو، وقد اعتبر المحدثون الحك تهمة.
الثاني عشر: ليكن فيما تختلف فيه الروايات قائما بضبط ما تختلف فيه في كتابه جيد التمييز بينها كيلا تختلط وتشتبه فيفسد عليه أمرها.
وسبيله أن يجعل أولا متن كتابه على رواية خاصة ثم ما كانت من زيادة لرواية أخرى ألحقها، أو من نقص اعلم عليه، أو من خلاف كتبه إما في الحاشية و إما غيرها معينا في كل ذلك من رواه ذاكرا اسمه بتمامه، فإن رمز إليه بحرف أو أكثر فعليه أن يبين المراد بذلك في أول كتابه أو في آخره كيلا يطول عهده به فينسى أو يقع كتابه إلى غيره فيقع من رموزه في حيرة وعمى" [36] ."
العرض والمقابلة:
ثم تأتى خطوة مهمة في هذه المرحلة من ضبط الكتاب وهي خطوة عرضه على اصل صحيح ونسخة معتمدة . يقول ابن الصلاح [37] :
على الطالب مقابلة كتابه بأصل سماعه وكتاب شيخه الذي يرويه عنه وإن كان إجازة، روينا عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما أنه قال لابنه هشام: كتبت ؟ قال: نعم، قال: عرضت كتابك؟ قال: لا، قال: لم تكتب.
ثم إن أفضل المعرضة أن يعارض الطالب بنفسه كتابه بكتاب الشيخ مع الشيخ في حال تحديثه إياه من كتابه لما يجمع ذلك من وجوه الاحتياط والإتقان من الجانبين… والصحيح انه لا يشترط أن يقابله بنفسه بل يكفيه مقابله نسخته بأصل الراوي وإن لم يكن ذلك حالة القراءة وإن كانت المقابلة على يدي غيره إذا كان ثقة موثوقا بضبطه، وجائز أن تكون مقابلته بفرع قد قوبل المقابلة المشروطة بأصل شيخه: أصل السماع، وكذلك إذا قابل بأصل أصل الشيخ المقابل به أصل الشيخ لأن الغرض المطلوب أن يكون كتاب الطالب مطابقا لأصل سماعه وكتاب شيخه، فسواء حصل له ذلك بواسطة أو بغير واسطة.
ولا يقلد غيره ولا يكون بينه وبين كتاب الشيخ واسطة وليقابل نسخته بالأصل بنفسه حرفا حرفا حتى يكون على ثقة ويقين من مطابقتها له، لكن هذا من طريقة أهل التشديد التي لم تستخدم في العصور المتأخرة [38] .
أما إذا لم يعارض كتابه بالأصل أصلا فلا يجوز رواية الكتاب إلا بثلاثة شروط:
• الشرط الأول: أن تكون نسخته نقلت من الأصل .
• الشرط الثاني: أن يكون ناقل النسخة من الأصل غير سقيم النقل بل صحيح النقل قليل السقط [39] .
• الشرط الثالث:ثم إذا نسخ الكتاب فلا ينقل سماعه إلى شئ من النسخ أو يثبته فيها عند السماع ابتداء إلا بعد المقابلة المرضية بالمسموع كيلا يغتر أحد بتلك النسخة غير المقابلة إلا أن يبين مع النقل وعنده كون النسخة غير مقابلة. وبعد هذه العملية التوثيقية تأتي مرحلة أكثر دقة ومشقة وهي سماع الكتاب على الشيخ إما بالقراء عليه أو السماع من لفظه أو من لفظ من يقرأ عليه [40] .
السماع
لقد جرت سنة المحدثين السلف أن يتلقوا الحديث عن شيوخهم سماعا بالإسناد المتصل من شيوخهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لما ألفت الكتب - طبعا - أسانيد من طريق شيوخه أيضا تصله بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيتم لهم اتصال السند بالنبي صلى الله عليه وسلم عن هذا المنوال.
وهذه السنة أو الطريقة في تلقي الحديث الشريف وكتبه بالسند لا تكاد تتخلف عن كتاب من كتب السنة المطهرة، صغر ذلك الكتاب فجاء في صفحات معدودة أو كبر فجاء في مجلدات ضخام تبلغ العشرة أو العشرين أو تنقص قليلا أو تزيد قليلا.