إنّ الضّغينة والحُنق على الإسلام والرّغبة العنيفة في إقصائه هي أهمّ أهداف الحملة الصّليبيّة على جنوب السودان، إنّها تدرك أنّه لو نفذ الإسلام إلى هناك فإنّ ذلك مدعاة لانتشاره في كامل القرن الإفريقي ومنابع النيل ومنطقة البحيرات، وهي مناطق استراتيجية هامّة ومفصل حركة القارّة، وهذه ميادين لا مساومة فيها؛ ومن ثَمّ سعت الكنيسة إلى نفي كل أثر يتعلق به من الجنوب، لقد كتب (اللورد كتشنر) عام 1982م قائلاً:"ليس من شك في أن الدين الإسلامي يلقى ترحيباً حاراً من أهالي هذه البلاد فإذا لم تقبض القوى النّصرانيّة على ناصية الأمر في إفريقيا فأعتقد أنّ العرب سيخطون هذه الخطوة، وسيصبح لهم مركز في وسط القارة يستطيعون منه طرد كافة التأثيرات الحضارية إلى الساحل، وستقع البلاد في هذه العبودية". ويشرح القس (أرشيد كون شو) الأمر فيقول عام 1909م:"إنْ لم يتمّ تغيير هذه القبائل السوداء في السنوات القليلة القادمة فإنّهم سيصيرون محمّديّين؛ إذ إنّ هذه المِنطقة مِنطقة استراتيجيّة لأغراض التنصير، إنّها تمتد في منطقة شرق إفريقيا في منتصف الطريق بين القاهرة والكاب". ثم يقول:"إنْ كانت الكنيسة في حاجة إلى مكان لإيوائها فهو هنا لصدّ انتشار الإسلام، والقضاء على تعاليم النبيّ الزائف". ونحن نقول: وهو تماماً ما تمت التوصية به في المؤتمر الإرسالي العالمي بأدنبرة عام 1910م:"إنّ أول ما يتطلب العمل إذا كانت إفريقيا ستكسب لمصلحة المسيح أن نقذف بقوة تنصيريّة قويّة في قلب إفريقيا لمنع تقدّم الإسلام".
التنصير وسيلتهم الخبيثة
التّنصير حركة سياسيّة استعماريّة بدأت بالظهور إثر فشل الحروب الصليبيّة بغية نشر النصرانيّة بين الأمم المختلفة في دول العالم الثالث بعامّة، وبين المسلمين بخاصة بهدف إحكام السّيطرة على هذه الشعوب .
ويساعدهم في ذلك انتشار الفقر والجهل والمرض في معظم بلدان العالم الإسلاميّ، والنفوذ الغربيّ في كثير من بلدان المسلمين، وضعف بعض حكام المسلمين الذين يسكتون عنهم أو ييسرون لهم السّبل رغبًا ورهبًا أو نفاقًا لهم .
ويعد"ريمون لول"أول نصرانيّ تولّى التبشير بعد فشل الحروب الصليبيّة في مهمتها؛ إذ إنّه قد تعلم اللّغة العربيّة بكل مشقة وأخذ يجول في بلاد الشام مناقشاً علماء المسلمين .
ومنذ القرن الخامس عشر وأثناء الاكتشافات البرتغالية دخل المبشرون الكاثوليك إلى إفريقيا وبعد ذلك بكثير أخذت ترد الإرساليات التبشيريّة البروتستانتيّة إنجليزيّة وألمانيّة وفرنسيّة .
وكان للمنصّر"هنري مارتن"ت 1812م يد طُولى في إرسال المنصّرين إلى بلاد آسيا الغربيّة وقد ترجم التوراة إلى الهنديّة والفارسيّة والأرمنيّة .
وفي عام 1795م تأسست جمعية لندن التنصيريّة وتبعتها أخريات في اسكوتلاندة ونيويورك .
وفي سنة 1819م اتفقت جمعيّة الكنيسة البروتستانتيّة مع النصارى في مصر وكوّنت هناك إرسالية عُهد إليها نَشْر الإنجيل في إفريقيا .
وفي سنة 1849م أخذت ترد إرساليات التبشير إلى بلاد الشام وقد قامت بتقسيم المناطق بينها .
وفي سنة 1855م تأسست جمعية الشبان المسيحية من الإنجليز والأمريكان وقد انحصرت مهمّتها في إدخال ملكوت المسيح بين الشّبان كما يزعمون .
وفي سنة 1895م تأسّست جمعيّة اتحاد الطلبة المسيحيّين في العالم ، وهي تهتم بدراسة أحوال التلاميذ في كل البلاد مع العمل على بثّ روح المحبّة بينهم (المحبة تعني نَشْر النصرانيّة) .
وجاء"صموئيل زويمر"وكان رئيس إرساليّة التنصير العربيّة في البحرين، ورئيس جمعيات التنصير في الشّرق الأوسط، وكان يتولى إدارة مجلّة العالم الإسلاميّ الإنجليزية التي أنشأها سنة 1911م وما تزال تصدر إلى الآن من هارتيفورد ، دخل البحرين عام 1890م ومنذ عام 1894م قدمت له الكنيسة الإصلاحية الأمريكية دعمها الكامل . وأبرز مظاهر عمل البعثة التي أسّسها"زويمر"كان في حقل التطبيب في مِنطقة الخليج، وتبعا لذلك فقد افتتحت مستوصفات لها في البحرين والكويت ومسقط وعمان، ويُعَدّ"زويمر"من أكبر أعمدة التنصير في العصر الحديث وقد أسس معهدا باسمه في أمريكا لأبحاث تنصير المسلمين.
خلف"كنيث كراج""صموئيل زويمر"على رئاسة مجلة العالم الإسلاميّ ، وقام بالتدريس في الجامعة الأمريكيّة بالقاهرة فترة من الوقت، وهو رئيس قسم اللاهوت المسيحي، في هارتيفورد بأمريكا وهو معهد للمنّصرين ومن كتبه ( دعوة المئذنة ) صدر عام 1956م .
أما"لويس ماسينيون"فقد قام على رعاية التنصير في مصر وهو عضو مجمع اللّغة العربيّة بالقاهرة، كما أنّه مستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال إفريقيا .