ولكني وجدتها"من أخصب تحير"فماذا أقول الليلةَ وماذا أدع..؟ فلا أكتمُكم أحبتي أنني وقفتُ أمامَ المفاهيمِ والدروسِ التي اطلعْتُ عليها، واحترت: نعم.. احترتُ أيَّ مفهومٍ من هذه المفاهيم آخُذ؟ وأيها أترُك؟ أيها أدعُ؟ وأيها ألتمس؟ ووصَلَتْ معي هذه المفاهيم وهذه الدروسُ عددا وكمّا كبيرًا، ولكن مراعاةً للوقت، وتركيزاً على بعضِ النقاط، وإلا لا أقولُ"على المهم، أو الأهم"فكلُ هجرةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم مهمة، وتركيزاً على بعضِ النقاطِ التي تزدادُ حاجتنا إليها؛ سأذكرُ بعضَ الوقفات، وبعضَ المفاهيم وبعضَ الدروس التي أخذتها من استيعابِ هذه الهجرةِ المباركة، فما أجملَ أن نُشيرَ إشاراتٍ عابرةٍ لعددٍ من القضايا المهمةِ الجديرة بالإشادةِ والتذكيرِ في هجرة رسولِ العالمين الذي أسأل الله بمنه وكرمه أن يُلحقنا به وأن يحشرَنا في زمرته وأن يُسقِيَنَا من حوضه شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا .
أولاً.. لماذا الهجرة..؟
إني لما نظرتُ إلى تأريخِ الهجرةِ، ونظرتُ إلى الإعِدادِ الذي أعدّهُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم ونظرتُ إلى الأسبابِ والأساليبِ التي اتخذَها، ابتداءً من إذْنِه بالهجرةِ للصحابةِ، وانتهاءً بوُصُولِه إلى المدينة، وما بينهما من أسبابٍ بشريةٍ كثيرةٍ، فيها الاختفاءُ والسِّريةُ، فيها كثيرًا من الأسبابِ البشرية، تساءلتُ: ألم يُسْرَ بالرسولِ صلى الله عليه وسلم قبلَ عامٍ فقطٍ إلى بيتِ المقدسِ، ويُعرَج به إلى السماءِ؟ ألم يأتِ إليه جبريلُ على الصلاةُ والسلامُ وهو مُسْنِدٌ ظهره الشريف للكعبة بالبراقِ ليرحلَ هو وإياهُ من مكةَ المكرمة إلى بيتِ المقدس ومن هناك إلى السموات..؟ سبحان الله! يُسْرى به إلى بيتِ المقدس، ويُعرج به إلى السماءِ، ويرْجِع في ليلةٍ واحدةٍ، ويجلس عدَّةَ شهورٍ صلى الله عليه وسلم ويتَّخِذَ كثيرًا من الأسبابِ والوسائلِ لهذه الهجرةِ! لماذا..؟ ما السبب..؟ لِمَ لمْ تكن تلك الهجرةِ كذاكَ الإسراء..؟ يُمْسي في مكةَ ويصبحُ في المدينةِ النبوية بأمرِ الله سبحانه وتعالى وبقدرته؟ أليس الله قادرٌ على ذلك..؟ أيُعْجِزُه سبحانَه وتعالى شيءٌ في الأرضِ والسماء..؟ كيف لا.. والمعجزاتُ تتنزلُ عليه عليه الصلاة والسلام، لكنني بعدَ التأمُلِّ وجدتُ أن الله سبحانه وتعالى أراد منا ومن أمةِ النبي صلى الله عليه وسلم أن نفقه هذا الدين فِقْهًا دقيقاً، أرادنا أن نفقهَ هذه الدعوة المحمدية فقها سديدًا، فهذه الدعوةُ أيها الأحبابُ هي وربي منهجٌ للبشر، ربنا جل وعلا قادرٌ أن يأخذَ رسوله صلى الله عليه وسلم في لحظةٍ واحدة، وينقُلُه من مكةَ إلى المدينة، لا يحتاجُ إلى إعداد، لا يحتاج إلى اختفاء، لا يحتاج إلى مئونة، لا يحتاج إلى مطاردةٍ، لا يحتاج إلى مصاحبةٍ، لكن الأمرَ أعمقَ من ذلكَ وربي وأبعدَ بكثير، إنه الدينُ..! أراده الله ليكونَ منهجاً للبشريةِ، لماذا..؟ لأنه لو فُعل ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءَ بعدَه من الدعاةِ ممن تواجهُهُم مثلُ هذه المشاكلِ، مشاكلِ الاضطهاد، ومعاناةِ العذاب في سبيلِ تبيينِ الدعوةِ وإخراجِ الناسِ من عبادةِ العباد إلى عبادةِ ربِ العبادِ فأين حينَها يجدُونَ الحلَّ؟ كيف يجدونَ المخرج؟ إلى من يلتجئون..؟ أولئك الذين يُضطهدونَ في دينهم، أولئكَ الذينَ يحارَبونَ في عقيدتهم، أولئك الذين تُمتَهَنُ كرامتُهم عليهم أن يأخذوا الدروسَ العظيمَةَ من هذه الهجرةِ.
إذًا..
نحن في هذه الهجرةِ بجميعِ مراحلِها، نتبينُّ من خلالِها الدروسَ العظيمةَ للدعاةِ وللمسلمينَ، فلو تمَّتْ هذه الهجرةُ بين عشيةٍ وضحاها؛ لخسرنا تلكَ الدروسَ، ولخسرنا تلكَ المواقفَ، وهذا أمرٌ لا ينتبه له كثيرٌ من الناس، ويكفي التاريخَ شرفاً أن سطَّرَ بأحرفهِ الذهبيةِ هذه السيرةِ العطرةِ، وهذه الهجرة المباركة، لنلجأ إليها كمخرجٍ من كُرباتِنا، وحلٍ لأزماتِنا، وشِفاءٍ لأمراضَنا، بعد الله جل وعلا.