فهرس الكتاب

الصفحة 2760 من 3657

في هذه الهجرةِ يعرفُ الداعيةُ كيف يأخذُ بالأسبابِ، كيف يفرقُ بين التوكلِ والتواكُلِ، يأخذ الحذرَ والحِيطةَ، يعرفُ المسلمُ من هذه الهجرةِ النبويةِ أنه لا يستكينُ ولا يستهينُ ولا يقْبَلُ الذلةَ في دينه، ولا في عقيدته أبدا، نعم.. إن هذه الهجرةَ العظيمةَ منهجٌ للبشر، ولو خرجْتُ عن الموضوعِ من جهةٍ أخرى في درسٍ عظيمٍ أربِطُهُ بهذا الموضوعِ، وهو"قضيةُ المنافقين"فلقد وقفتُ كثيراً وتأمّلتُ بتمعُّنٍ قصةَ علاجِ الإسلامِ لقضيةِ المنافقين، وكيف عالج الرسولُ صلى الله عليه وسلم قضيتهم حتى انتهت، ابتداءً من الهجرةِ وحتى وفاتِه صلى الله عليه وسلم مروراً بالأطوارِ التي مرت بها قضيةُ المنافقينَ وأثرُهم في المدينة، وتساءَلْتُ وقلتُ: الله جلا وعلا قادرٌ على أن يُعْلِمَ نبيهَ صلى الله عليه وسلمَ بعض أسماء المنافقينَ لِيَسْتَتِيَبهم؛ فإن تابوا، وإلا قُتلوا، أو طُردوا (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) نعم.. لا تعلمهم كلهم نحن نعلمهم، لأن الله لم يُردْ إبلاغَه إياهم؛ لأن الله تعالى لو أخبرَ رسولَه صلى الله عليه وسلم بهذهِ الأسماء، نحنُ الذينَ نأتي من بعدِه من سيخبِرُنا بالمنافقينَ الذين يعيشونَ بيننا؟ كيف نعالجُ مُشْكِلَتِنَا معهم وهم من بني جلدتِنا؟ إذا

لا بدَّ من اللجوءِ بعد الله تعالى إلى سيرةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، إلى هجرةِ الرسول صلى الله عليه وسلم، فَمِثْلَمَا عالجَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم تلكَ المشكلةَ وتلكَ الفتنةَ داخلَ الصفِّ المسلمِ، ووقفَ على تلكَ الخياناتِ التي ارتُكبتْ في داخلِ هذا الصفِّ؛ سنجدُ حينها علاجا لمشكلاتِنا في زماننا هذا.

إن درسَ الهجرةِ أيها الأحبة درسٌ عظيم، أراد الله سبحانه وتعالى لنا أن نتعلمَ منه الشيءَ الكثيرَ، ولكن أين القلوبُ الحيةُ؟ أين القلوبُ الصادقةُ اليقظةُ؟ أين القلوبُ الباحثةُ عن الحق؟ فالعودة العودة الصادقة الحميمة إلى هجرةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم لنستلهمَ الدروسَ والعبرَ ,,, وإلى ثاني الدروس الجنية من الهجرة النبوية.

ثانيًا: المدينة النبوية، التأسيس والتوطين..!

وهذه قضيةٌ مهمةٌ، وهي أنه لا بُدَّ أن يكونَ للفئةِ المسلمةِ موطنٌ أو موضعٌ تتأسسُ فيه وتتربى عليه، وتستطيعُ أن تمارسَ من خلالِه عمليةَ التغيير، وقد كان هذا في دارِ الأرقمِ بنِ أبي الأرقمَ قبلَ الهجرةِ، فقد كان موطنُ بناءٍ وتعليمٍ وإرشادٍ وغرسٍ للعقيدةِ وبناءٍ للإسلام في النفوسِ، وتجميعٍ للصفوف ومعرفةٍ لواقع الباطلِ والجاهليةِ، وهذا التجمعُ هو الذي كان يحرِّكُ دعوةَ الإسلامِ حتى أذن الله بالهجرةِ فكان التأسيسُ والتوطينُ في صورةِ دولةٍ وفي صورةِ مجتمعٍ متكاملٍ في مهَاجَرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

لقد كانَ هدفُ النبيِ صلى الله عليه وسلم من هجرتهِ إلى المدينةِ إيجادُ موطئ قدم للدعوة هناك حتى تَنْعُمَ بالأمنِ والاستقرار، حتى تستطيعَ أن تَبْنِي نفسَهَا من الداخلِ وتَنْطَلِقَ لتحقيقِ أهدافِها في الخارجِ، ولقد كان هذا الهدفُ أملاً وحلُما يراودُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم"رأيتُ في المنامِ أني أهاجرُ من مكةَ إلى أرضٍ بها نخلٌ، فذهب ظني إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي يثرب".

كان هدفُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم من الهجرةِ تكثيرُ الأنصارِ وإيجاد رأيٍ عامٍ مؤَيِّدٍ للدعوةِ، لأن وجودَ ذلكَ يوفرُ على الدعوةِ الكثيرَ من الجهودِ ويُذَلِّلُ في طريقِها الكثيرَ من الصِعاب، والمجالُ الخَصْبُ الذي تَتَحققُ فيه الأهدافُ والمُنْطَلَقُ الذي تَنْطَلِقُ منه الطاقاتُ هو في المدينة، ولهذا حرِصَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يبعثَ مصعبَ بنَ عميرٍ أولَ سفيرٍ في الإسلام، حرِص صلى الله عليه وسلم أن يرسله ليكونَ سفيرَه إلى المدينةِ ليعلِّمَ الأنصارَ الإسلامَ وينشرَ دعوةَ الله فيها، ولمّا اطمأنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى وجودِ رأيٍ عامٍ مؤَيِّدٍ للدعوةِ في المدينة حثّ أصحابَه إلى الهجرةِ إليها وقال لهم"هاجروا إلى يثرب، فقد جعلَ الله لكم فيها إخواناً وداراً تأمنونَ بها".

لقد كان هدفُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلمَ من الهجرةِ استكمالُ الهيكلِ التنظيميِ للدعوةِ، فقد كان صعباً أن يكونَ الرسولُ القائدُ في مكةَ، والأنصارُ والمهاجرونَ في المدينة، صعبٌ أن يكونَ المعلمُ في مكةَ والتلاميذُ بعيدونَ عنه في المدينة، ولهذا هاجرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليكونَ بين ظهْرَاَنيْ أتباعِه، لأن الجماعةَ بدونِ قائدٍ كالجسدِ بلا رأسٍ، ولأنَّ تحقيقَ أهدافِ الإسلامِ الكبرى لا يتمُّ إلا بوجودِ جماعةٍ مؤمنةٍ منظَمَةٍ، تُغَذِّ السيرَ إلى أهدافِها بخُطًى وئيدةٍ وطيدةٍ متينةٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت