إن هذه الوقفةَ أيها الأحبةُ تجعلُنا نتساءل: ماذا قدمنا لدينِ الله؟ كم تحملنا من الأذى في سبيلِ نشره بين الناس؟ هل صبرَنا كما صبرَ عليه الصلاة والسلام؟ أم أننا استسلمنا بمجردِ أن نواجِهَ أذىً أو معارضةً، فقمنا بعد ذلك بالتوقُفِّ عن الدعوةِ إليه سبحانَه، هل هذه هي القدوةُ بالنبيِ المصطفى الأمينِ، إنك لو نظرتَ أيها الكريمُ إلى أمتكَ الكريمةِ في القرآنِ الكريمِ ونظرتَ إليها في أرضِ الواقعِ لانفلق كبِدُكَ من الحزنِ والبكاءِ على واقعِ أمةٍ قد انحرفت كثيراً وكثيراً عن منهج الله جل وعلا وعن سنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، فهاهي الأمةُ التي نراها اليومَ ونعيشُ تحت ظِلالها، ليستْ هي الأمةُ التي خرجتْ وبزغتْ في فجرِ الإسلام، أمتنا اليومْ بدلت شرع الله وانحرفتْ عن طريقِ رسول الله واستبدلتِ الذي هو أدنى بالذي هو خير، أذلَّ الله الأمةَ لأحقرِ وأذلِّ أُممِ الأرضِ ممن كتب الله عليهمُ الذلةَ والهوانَ واللعنةَ من إخوانِ القردةِ والخنازيرِ من أبناءِ يهود، نعم.. أصبحتِ الأمةُ اليومَ قَصْعَةً مستباحةً لأحقرِ أممِ الأرضِ وأذلِّها، وحَقَّ عليها قولُ الصادقِ المصدوق صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الصحيحِ الذي رواه أبو داوودَ من حديثِ ثوبانَ رضي الله عنه: (يوشِكُ أن تتداعى عليكمُ الأممُ كما تتداعى الأكلةُ إلى قصعتها) قالوا: أومِن قلةٍ نحنُ يومِئذٍ يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنكم غثاءٌ كغثاءِ السيلِ، وليوشكَّنَ اللهُ أن ينزعَ المهابةَ من قلوبِ عدوِّكُم، وليقذفنَّ في قلوبكمُ الوهنَ،) قيل وما الوهنُ يا رسول الله ؟ قال: (حبُ الدنيا وكراهيةُ الموت) . لقد أصبحتِ الأمةُ اليومَ أيها الأخيارُ غُثاءً من النِفاياتِ البشريةِ تعيشُ على بِساطِ الحياةِ الإنسانيةِ، تعيشُ الأمةُ كدُويلاَتٍ متناثرةٍ متصارعةٍ متحاربةٍ تفصل بينها حدودٌ جغرافيةٌ مصطنعة، ونَعَرَاتٌ قوميةٌ جاهلية، وتُرفرفُ على سمائها راياتٌ قوميةٌ ووطنيةٌ تَحْكُمُها قوانينٌ جاهلية غربية، وتدورُ بالأمةِ الدوراتُ السياسيةُ فلا تملكُ الأمةُ نفسها عن الدورانِ بل ولا تختارُ لنفسِها حتى المكانَ الذي تدورُ فيه ! ذلت الأمةُ بعد عِزَّةٍ، وجَهِلتِ الأمةُ بعد علم، وضعُفتِ الأمةُ بعد قوة، وأصبحتْ في ذيلِ القافلةِ الإنسانيةِ بعد أن كانتْ بالأمسِ القريبِ تقودُ القافلةَ كلَّها بجدارةٍ واقتدار، أصبحتِ الأمةُ اليومَ تتسوَّلُ على موائدِ الفكرِ الإنسانيِ والعلمي بعد أن كانتِ الأمةُ بالأمسِ القريبِ منارةً تَهْدِي الحيارىَ والتائهينَ ممن أحرقَهُمْ لفحُ الهاجرةِ القاتلِ وأرَّقهم طولُ المشيِ في التيهِ والضلال، أصبحتِ الأمةُ اليومَ تتَأْرجحُ في سيرِها، ولا تعرفُ طريقَها الذي يجبُ عليها أن تَسْلُكَهْ وأن تسيرَ فيه بعدَ أن كانتِ الأمةُ بالأمسِ القريبِ الدليلَ الحاذقَ الأربَ في الدروبِ المتشابكةِ والصحراءِ المهلكةِ التي لا يهتدي للسيرِ فيها إلا الألداءُ المجرِّبونَ.. فما الذي جرى؟ ما الذي تغير.. لا شيء..! لكنها السننُ الربانيةُ"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"واللهِ إن هذا الواقعَ الأليمَ الذي نراه بأمِّ أعينِنا في أمتنا يستنفرُ جميعَ الهِممِ الغيورةِ ويستوجبُ أن يسألَ كلُ واحدٍ منا نفسَه هذا السؤالَ ماذا قدمنا لدين الله جل وعلا ؟ هل فعلا نحنُ السببُ في تخلفِّ هذه الأمةِ ورُكُوبِها ذيلَ القطار..؟ سؤالٌ وإن كان يُمَثِّلُ في الحقيقةِ ظاهرةً صحيةً إلا أنه يَنُمُّ عن خَلَلٍ في فَهْمِ حقيقةِ الانتماءِ لهذا لدينِ إلى الحَدِّ الذي أصبحَ فيه المسلمُ لا يعرفُ ما الذي يجبُ عليه أن يقدِّمَه لدينِ الله جلّ وعلا، لماذا ؟! لأن قضيةَ العملِ للدين ما تحركتْ في قلوبنا إلا في لحظةِ حماسٍ عابرةٍ أجَّجَهَا عالمٌ مخلصٌ أو داعيةٌ صادقٌ، فقمنا بعد هذه اللحظةِ الحماسيةِ المتأججةِ نسألُ عن أدوارِنا.. إنه وربي سؤالٌ مخجلٌ سؤالٌ مَهيب؟؟ سؤالٌ يجبُ ألا نمِلَّ طرحه وألا نسئمَ تِكراره لنُحييَ في القلوبِ قضيةَ العملِ لهذا الدينِ في وقتٍ تحرَّكَ فيه أهلُ الكفرِ والباطلِ بكلِ رجولةٍ وقوةٍ لباطلِهم وكفرِهم! في وقتٍ انتعشَ أهلُ الباطلِ فيه وتحركوا في الوقتِ الذي تقاعسَ فيه أهلُ الحقِ وتكاسلوا، بل والله ما انتفشَ الباطلُ وأهلُهُ إلا يومَ أن تخلى عن الحقِ أهلُه، إنه واقعٌ يجبُ أن يستنفرَ جميعَ الهممِ الغيورةِ، قُلْ لنفسكَ وخاطبها.. ما هو دوري في هذه الحياة؟ كيف أقدمُ لدين الله..؟.. أما والله لو كانتْ قضيةُ العملِ لدينِ الله تشْغَلُ أفكارَنا وتملأُ قلوبَنا وتُحرِقُ وُجدانَنا وتُقِضُّ مضاجعَنا ونفكرُ فيها ليلَ نهار في النومِ واليقظةِ في السِّرِ والعلانية، نعم.. لو كانتْ قضيةُ العملِ لدين الله في قلبِ كلٍّ منا ما سأل نفسه أبداً هذا السؤالَ، لأنه سيحدِّدُ أمرَه بحَسَبِ الزمانِ الذي يعيشُه وبِحَسَبِ المكانِ الذي يعيشُ فيه، لأن قضيةَ العملِ لدينِ الله تملأُ