فهرس الكتاب

الصفحة 2763 من 3657

عليه همَّهُ ووُجدانَه وقلبه، لكن بكلٍ أسفٍ بكلِ مرارةٍ بكل حزنٍ أصبحت قضيةُ العملِ لدينِ الله قضيةً هامشيةً ثانويةً في حِسِّ كثيرٍ من المسلمين!.. بل وأصبحَ لا وجودَ لها في حِسِّ قِطَاعٍ عريضٍ آخرَ ممن يأكلونَ مِلَءَ بطونِهم وينامون ملءَ عيونهم ويضحكون ملءَ أفواههم، بل وينظرونَ إلى واقعِ الأمةِ فَيَهُزُّ الواحدُ كتفيه ويَمْضِي وكأنَّ الأمرَ لا يعنيه، وكأنه ما خُلقَ إلا ليأكلَ ويشربَ، أقولُ ..

إن العملَ للدينِ مسئوليةُ كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ، فلا بدَّ أن تكونَ لقضيةِ الدينِ مساحةٌ في خريطةِ اهتماماتنِا وبرامجنا نعم.. لا بدَّ أن يَضْبطَ الدينُ عواطفَنا، وأن يُحْرِقَ همُّ الدينِ وِجدانَنا، وإِنَّ من المُحالِ أن يتحرَكَ الإنسانُ لشيءٍ لا يعتقده، لا يحمله في قلبه، وتأمل كيف احترق قلبُ نبينا صلى الله عليه وسلم لهذا الدين حتى قال له ربه"فلعلك باخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديثِ أسفا".

رابعًا: الثبات على المبدأ.

إن الله تعالى خلقَ الخلق ليعرفوه ويعبُدُوهُ، ونصبَ لهم الأدلةَ الدالةَ على كبريائهِ وعظمته ليهابُوه، وقد اقتضت حكمتُه سبحانه وتعالى أن جعلَ الابتلاءَ سنةً من سننِ اللهِ الكونيةِ، وأن المرءَ بحاجةٍ إلى تمحيصٍ ومراجعةٍ حتى يتميَّزَ الخبيثُ من الطيبِ، والمؤمنُ من غيره؛ فالسعيدُ من اعتصم بالله، وأناب ورجعَ إلى الله، والمؤمنُ الصادقُ ثابتٌ في السراءِ والضراءِ"الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ"وقال:"أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ"

إن هجرةَ النبيِ صلى الله عليه وسلمَ إلى المدينةِ كشفتْ لنا معالمَ في الشدةِ والرخاءِ، والعسرِ واليسر، وأبانت لنا عن معادنِ النفوسِ، وطبائعِ القلوب؛ ومن عَلِمَ حكمةَ الله في تصريفِ الأمور، وجريانِ الأقدارِ فلن يجدَ اليأسُ إلى قلبه سبيلاً، ومهما أظلمتِ المسالكُ وتتابعتِ الخطوبُ وتكاثرتِ النكباتُ؛ فلن يزدادَ إلا ثباتاً؛ فالإنسانُ إلى ربه راجع، والمؤمنُ بإيمانه مستمسكٌ وبأقدار الله مسلِّم، وإن من معالمِ هذه الهجرةِ النبويةِ المباركة: الثباتُ على المبدأ، الثباتُ على الدينِ والاستقامةُ عليه، ذلك أن الثباتَ على دينِ اللهِ والاعتصامَ به يدلُ دلالةً قاطعةً على سلامةِ الإيمانِ، وحسنِ الإسلامِ وصحةِ اليقين.

إن الثباتَ على دينِ الله خُلُقٌ عظيمٌ، ومعنى جميل، له في نفسِ الإنسانِ الثابتِ وفيمن حولَه من الناسِ مؤثراتٌ مهمةٌ تفعل فِعْلَها، وتؤثرُ أَثَرَهَا، وفيه جوانبُ من الأهميةِ الفائقةِ في تربيةِ الفردِ والمجتمع.

إن صفةَ الثباتِ على الإسلامِ والاستمرارِ على منهجِ الحق نعمةٌ عظيمةٌ حبا الله بها أولياءَه وصفوةَ خلقه، وامتنَّ عليهم بها، فقال مخاطباً عبدَه ورسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم:"وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً".

إن الثباتَ على دينِ الله دليلٌ على سلامةِ المنهجِ، وداعيةٌ إلى الثقةِ به، وهو ضريبةُ النصرِ والتمكينِ والطريقِ الموصلةِ إلى المجدِ والرفعةِ، ألم تروا كيف ثبتَ صلى الله عليه وسلم في دعوتِه قبلَ الهجرة وبعدَها؟ ألم تروا كيف مُكِّن وأُعزَّ ونُصِرَ بسبب ثباته على مبدأه صلوات ربي وسلامه عليه..؟

إن الثباتَ طريقٌ لتحقيقِ الأهدافِ العظيمةِ، والغاياتِ النبيلةِ؛ فالإنسانُ الراغبُ في تعبيدِ الناسِ لربِ العالمين والعاملُ على رفعةِ دينه وإعلاءِ رايتِه لا غِنَى له عن الثبات.

إن الثباتَ يعني الاستقامةَ على الهدى، والتمسكَ بالتقى، وقَسْرَ النفسِ على سلوكِ طريقِ الحقِ والخير، والبُعْدِ عن الذنوبِ والمعاصي وصوارفِ الهوى والشيطان.

إنَّ مما يُعينُ على الثباتِ أمامَ الفتنِ والابتلاءاتِ صحةُ الإيمانِ وصلابةُ الدينِ؛ فكلَّمَا كانَ الإنسانُ قوياً في إيمانه، صلْباً في دينه، صادقاً مع ربه، كلما ازدادَ ثباتُه، وقَوِيَتْ عزيمتُه وثبتَتْ حُجتُه، وحَسْبُكَ أن صاحبَ الهجرةِ محمداً صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه ويسألُه الثبات"اللهم إني أسألك الثباتَ في الأمرِ، والعزيمةَ على الرشد".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت