فهرس الكتاب

الصفحة 2765 من 3657

إن عقيدةَ التوحيدِ هي الرابطةُ التي تتضاءلُ أمامها الانتماءاتُ القوميةُ والتمايزاتُ القبليةُ والعَلاقاتُ الحزبية، واستحقاقُ الأمةِ للتمجيدِ والتكريمِ مدينٌ بولائها لعقيدتها وارتباطِها بمبادئها، كيف لا..؟ وفي الأمةِ في أعقابِ الزمن منهزمونَ كثر أمامَ تياراتٍ إلحاديةٍ وافدةٍ ومبادئَ عصريةٍ زائفةٍ ترفعُ شعاراتٍ مصطنعةٍ وتُطْلِقُ نداءاتٍ خادعةً، لم يجنِ أهلها من ورائها إلا الذلّ والصغارَ والمهانةَ والتبارَ والشقاءَ والبوارَ؛ فأهواءٌ في الاعتقاد ومذاهبُ في السياسةِ ومشاربُ في الاجتماع والاقتصادِ كانت نتيجتها التخلفَ المهينَ والتمزقَ المشين، وفي خِضَّمِ هذا الواقعِ المُزري يَحِقُّ لنا أن نتساءلَ بحرقةٍ وأسى: أين دروسُ الهجرةِ في التوحيدِ والوحدة؟ أين أخوةُ المهاجرينَ والأنصارِ مِن شعاراتِ حقوقِ الإنسانِ المعاصرةِ الزائفة؟ قولوا لي بربكم أيُ نظامٍ راعى حقوقَ الإنسانِ وكرّمه أحسنَ تكريمٍ وكَفِلَ حقوقَه كهذا الدينِ القويم.

ثامنًا: المسجدُ والدورُ الحقيقي.

ويواصلُ النبيُ صلى الله عليه وسلمَ سيرَهُ حتى وصلَ إلى المدينةِ، فبدأ ببناءِ المسجدِ وعمارتِه لِعِلْمِه أنَّ المسجدَ لم يوجدْ في الإسلامِ لأداءِ الصلاةِ فقط، وإنما هو مدرسةُ المجتمعِ الحقيقيةِ وهو نُقطةُ الانطلاقِ لتبليغِ دينِ الله، وهو مركَزُ الدولةِ الإسلاميةِ السائرةِ على منهجِ الله.

لقد نشأتْ مكانةُ المسجدِ وترعرعتْ في قلوبِ المسلمينَ مُنْذُ عهدِ النبوةِ، حيث كانَ مصدرَ النورِ والعلم والبصيرةِ والعزة للإسلامِ والمسلمين؛ فأعلى سبحانَه شأنَ المساجدِ ورفع قدرها، ولا أدلَّ على عظيمِ مكانةِ المسجدِ ومعرفةِ المسلمينَ الأوائلَ أنْ لا طريقَ لإعلاءِ دينِهمُ الذي هو مصدرُ عِزِّهِم، إلا بالانطلاقِ منه، ولذلكَ فإنَّ أولَ ما بَدأ به النبيُ صلى الله عليه وسلمَ عندما حلَّ بأرضِ الهجرةِ النبويةِ هو بِناءُ المسجدِ لِجَعْلِه مصدرًا للدعوةِ ومنبعًا لها وموردًا للصحابةِ رضي الله عنهم للجلوسِ معه عليه الصلاةُ والسلام، وعندما رسخَتْ هذه المعاني في قلوبِهم رضي الله عنهم ساروا عليها بكُلِّ ما أُوتُوا من عزْمٍ ويقينٍ بعد وفاته عليه الصلاةُ والسلام، ثم سارَ المسلمونَ من بعدهم في هذا المسير، وانطلقوا من هذا المنطلقِ، ومن ذلك المكانِ الطاهر الشريفِ فإن الإمامَ عليه مسئوليةٌ وتَبِعَات، ومؤذِنُ المسجدِ والمصلونَ كذلك، كُلٌ له دورُه الذي يُعْتَبَرُ لَبِنَةً لِبِنَاءِ هذه الرسالة، وبَعْثِها لأرجاءِ المعمورة.

أرأيتم لو قامَ كُلٌ بدوره المأمولِ منه وإحيائِه واستحضارِه… أيبقى دورٌ في أرجاءِ الأرضِ وقوةٌ على ظهرها لغيرِ الإسلامِ ودعوته؟ ولا أدلَّ على عِنَايةِ الإسلامِ بالمسجدِ وقداسَتِه من أمْرِ الشارعِ بعدم زخرفتِه، ونَشْدِ الضالةِ ورفعِ الصوتِ، كُلُ ذلك لِتَتَوَحَّدَ القلوبُ وتبتهلَ إلى خالِقها وإلهِها بدونِ صوارفَ وشواغلَ تُعيقُ تَهَيؤَها للقيامِ بدورها تجاهَ المسجدِ ورسالته، فأين أغنياءُ المسلمينَ عن هذه الحقيقةِ، وأينَ العلماءُ والمسئولونَ عن هذا الأمرِ المهمِ في حياةِ المجتمعات، لماذا أصبحتِ المساجدُ مهملةً، وإذا اعتُنِيَ بها فمِن أَجْلِ الصلواتِ فقطْ ولا دورَ لها بعد ذلك في حياة المسلمين.

تاسعًا: الهجرةُ وتاريخها..!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت