وإشارةً أخرى إلى أمرٍ يتعلقُ بحدثِ الهجرةِ النبويةِ في قضيةٍ تُعبِّرُ بجلاءٍ عن اعتزازِ هذه الأمةِ بشخصيتها الإسلاميةِ وتُثبتُ للعالمِ بأسره استقلالَ هذه الأمةِ بمنهجها المتميزِ المُستقى من عقيدتِها وتاريخها وحضارتِها، إنها قضيةٌ إسلامية ٌوسنةٌ عُمريةٌ أجمعَ عليها المسلمونَ في عهدِ عمرَ بنِ الخطاب t إنها التوقيتُ والتاريخُ بالهجرةِ النبويةِ المباركة، واختيارُ الصحابةِ هذا التأريخَ على غيرهِ من الأحداثِ يُعََدُّ من فقهِهِمْ وفهمهمُ العميقِ لأهميةِ هذا الحدثِ الذي انتقلتِ الأمةُ المسلمةُ بسببه من مرحلةِ الاستضعافِ والابتلاءِ إلى مرحلةِ الاستخلافِ والتمكين، وكم لهذه القضيةِ وربي من مغزًى عظيمٍ يَجْدُرُ بأمةِ الإسلامِ اليومَ تَذَكُّرَهُ والتَقيَُدَ به، كيف وقد فُتِنَ بعضُ أبنائِها بتقليدِ غيرِ المسلمينَ والتشبهِ بهمْ في تأريخِهم وأعيادِهم، فأين هي عِزةُ الإسلام؟ وأين هي شخصيةُ المسلمين؟ هل ذابت في خِضَمِّ مُغْرَياتِ الحياة؟ فإلى الذين تنكروا لثوابتِهم وخدشوا بَهاءَ هويتِهم وعملوا على إلغاءِ ذاكرةِ أمتِهم، وتهافتوا تَهَافُتاً مذموماً وانساقوا انسياقاً محموما خلف خصومِهم وذابوا وتميعوا أمامَ أعدائهم، ننادي نداءَ المحبةِ والإشفاق: رويدَكم؛ فنحنُ أمةٌ ذاتُ أمجادٍ وأصالةٍ وتاريخٍ وحضارةٍ ومنهجٍ متميزٍ منبثقٍ من كتابِ ربِنا وسنةِ نبينا صلى الله عليه وسلم فلا مساومةَ على شيءٍ من عقيدتنا وثوابتنا وتاريخِنا ولسنا بحاجةٍ إلى تقليدِ غيرِنا، بل إن غيرَنا في الحقيقةِ بحاجةٍ إلى أن يستفيدَ من أصالتِنا وحضارتنا، لكنه التقليدُ والتبعيةُ والمجاراةُ والانهزاميةُ والتشبهُ الأعمى من بعضِ المسلمينَ هداهم الله، كيف لا..؟ وقد حذر صلى الله عليه وسلم أمتَه من ذلك بقوله فيما أخرجَه الإمامُ أحمدُ وأهلُ السننِ"من تشبه بقوم فهو منهم".
عاشرًا: الهجرةُ ومبدأ الشورى.
كلَّنا نعرفُ أن قريشاً اجتمعتْ في دارِ الندوة، وتشاوروا كيف يفعلونَ بالرسولِ صلى الله عليه وسلم؟ نعم.. تآمروا واختلفوا في الرأي، لكنهم اتفقوا على أن يجتمعَ عددٌ من أمزاعِ القبائلِ وأفرادها ليقتلوا الرسولَ صلى الله عليه وسلمَ فيَضِيعُ دمُه بين القبائلِ.
ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة، وما أقربَ عِلاقةَ الماضي بالحاضرِ والحاضرِ بالماضي؛ أعداءُ الله جادونَ لحربِ دينِ الله، جادون لحربِ الدعاة، كما كان أولئكَ جادينَ في دارِ الندوة، فقط.. اختلفتِ الأدوارُ واتفقتِ الأهدافُ، اختلفتِ الوسائلُ واتفقتِ الغايات.
كما أجد أن كفارَ قريشٍ في دارِ الندوةِ يشعُّون حماساً لإنهاءِ هذه الدعوةِ المحمديةِ، أجد واللهِ أعداءَ الله يتطايرُ النومُ من أعينِهم حماساً لحربِ الدعاةِ وحربِ الإسلام، أجدُ أن الدعاةَ يفتقرونَ إلى شيءٍ مما نجده عندَ أعداءِ اللهِ وهو الحماسُ لدعوتهِم ومبادئِهم، والتخطيطِ البعيدِ المستمر، كفارُ قريشٍ جلسوا يتشاورون ويعقدون ويتآمرون، والسؤال المهم الذي ينبغي أن نستفيده: هلِِ المسلمونَ يتشاورونَ فيما يتعلقُ بأمورِ دينهم وعقيدتهم؟ هل يلتقونَ ليتدارسوا أوضاعَ المؤامراتِ على هذه العقيدة، وعلى هذا الدينِ؟ كفارُ قريش في دارِ الندوة، وكفارُ العصرِ الحاضرِ في دورٍ كثيرةٍ، يتشاورونَ ويخططونَ، والمسلمونَ نائمون، كفار قريش في دار الندوة سلكوا السبيل الذي يحقق لهم أهدافهم، وبنفس القوةِ وبنفسِ المنطقِ أعداءُ الإسلام في العصر الحاضر يسلكونَ السبيلَ ذاتَه، ولهذا فإن الرسولَ صلى الله عليه وسلم علاجًا للمشكلة التي مرَّ بها والمؤامرة التي حلت به واجه التخطيطَ بالتخطيط، والقوةَ بالقوة، والحكمة بالحكمة، والأسلوبَ بالأسلوب.
الحادي عشر: الهجرةُ والتخطيط.
إن التخطيطَ للهجرةِ من أعظم الدروس التي نستفيدُها في دعوتنا، مأساة كثيرٍ من المسلمين بل مأساةُ الدعاة أن التخطيطَ لديهم فيه ضعفٌ كبير، إن لم أقل: إنه لا يوجد لدى الكثيرِ منهم أبدا مفهومُ التخطيط، لديهمُ الإعدادُ الضعيف، بينما نجده في الهجرةِ يتمثَّل في أشياءَ كثيرة، يتمثل في الاستعدادِ المبكرِ من الرسولِ صلى الله عليه وسلم، يتمثلُ التخطيطُ في تهيئةِ أبي بكرٍ رضي الله عنه لذلك، حيثُ جلس كما في الصحيحِ أربعةَ أشهرٍ ينتظرُ الهجرةَ معَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ويهيئُ الراحلةَ، نجدُ التخطيطَ في إقامةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم عليا مكانه، وعندما بدأت مراحلُ الهجرة؛ جاءَ التخطيطُ الدقيقُ في خُطُوَات، وانتبهوا إلى هذه الخطوات وهذا التخطيط:
أولا: الانتقالُ إلى غارِ ثورٍ، ولماذا اختارَ النبيُ صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ هذا الغار؟ نعم. اختارا هذا الغارَ ليخالفوا ما أرادت إليه قريش، فاتجهوا جنوبًا.