ثانيا: توزيعُ الأدوار، فعبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ يأتي بالأخبار، وعامرُ بنُ فهيرةَ يأتي بالغنمِ ليحلبوا ويشربوا، ويغطي آثارَ عبدِ اللهِ بنِ أبي بكر، وأسماءُ تأتي بالطعام، وعبدُ اللهِ بنُ أُرَيقِط يَسْتَعِدُ للانطلاقِ بهم بعدَ ثلاثِ ليال، أرأيتم كيفَ أنه ترتيبٌ محكمٌ دقيقٌ مخططٌ له، فهل نحن عندما نريد أن نُقْدمَ على أي أمرٍ من أمورِ الدعوة؛ نستعدُّ لذلك؟ نخططُّ له، نُجيدُ تحديدَ المراحل، المؤسفُ أن الواحدَ منا إذا أراد أن يَعْمُرَ بيتا؛ جَلسَ يُخططُ عدةَ أشهرٍ، نعم.. إذا أقبل على أمرٍ من أمورِ الدنيا؛ خطَّطَ ورتبَ واستعدَ، ولكن في أمورِ الدعوة في أمورِ الإسلام فإنه يَخْبِطُ خبطَ عشواء، ومن هنا جاءتِ النتائجُ السلبيةُ والنتائجُ السيئةُ لكثيرٍ من الدعواتِ وكثيرٍ من الحركاتِ؛ لأنهم يتحركونَ بدونِ تخطيطِ، يتحركونَ بدونِ دراسةٍ للواقع، وبدونِ حسابٍ للمستقبل؛ حسبَ الأسبابِ التي شرعها الله سبحانه وتعالى، وهذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يا أحبابي، وهو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُخططُ تخطيطاً بشريًا دقيقا، يخططُ ليستفيدَ الدعاةُ من هذه التجربةِ، إنها دروس، فهل نستفيد منها؟
تذكرتُ وفكرتُ في كثيرٍ من النكباتِ التي حلَّتْ بكثيرٍ من الجماعاتِ الإسلاميةِ في كثيرٍ من الدول، ووجدتُ أن مِن أهمِّ أسبابِها ضعفُ التخطيطِ لمقابلةِ أعداءِ الله، فالمسلمُ كَيِّسٌ فطن، فلا يُقْدِمْ على أمرٍ إلا بعد أن يكونَ قد قلَّبَ جميعَ الأمور، وأخذَ بجميعِ الوسائلِ والأسباب، وهذا الدرسُ واضحٌ وجليٌ وعظيمٌ في سيرةِ الرسول صلى الله عليه وسلم، تخطيطٌ محكمٌ دقيقٌ، لا تجدُ فيه ثغرةً من الثغراتِ، فسبحانَ الله! ما أحوجنا إلى أن نقفَ أمامَ هذا الأمرِ العظيم؛ لتستفيدَ منه الأجيالُ بعد الأجيالِ، فإلى متى والمسلمونَ يتخبَّطونَ في أمورهم؟ إلى متى ونحن أبناءُ الصُدفةِ، وأبناءُ العواطفِ؟ فقطْ عواطفُ تهيجُ ثم تخبوا، فأين الجِدُّ؟ أين العزيمة؟ أين الوُضوح؟ فالأمرُ من الجدِّية بمكان، ثم نقول بعد ذلك ونتفاخر"النصر من عند الله"؟! نعم، بلا شكٍ: النصرُ من عند الله، ولكن لا بُدَّ من الأخذِ بالأسباب، لا بُدَّ من الأخذِ بالوسائلِ المشروعة، فأين هذا من واقعنا؟ أليس لنا في سيرةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلمَ عبرة؟ أليس لنا فيه عِظة؟ بدأ وحيدًا صلى الله عليه وسلمَ وبالرقمِ القياسيِ بدأتْ الدعوةُ في ازيادٍ شيئا فشيئا، حتى قامتْ دولةُ الإسلام.. أيها الأحباب:
أكرر فأقول: لا مكانَ للفوضى في هذا العصر، بل لا مكانَ للفوضى في حياةِ المسلم أبدًا، فكلُ واحدٍ منا يحاسبُ نفسه ولو من زاويةٍ ضيقةٍ، ألسنا نعيشُ فوضى داخلَ حياتِنا الخاصةِ اليومية، هل كلُ واحدٍ منا ينظِّمُ وقتَه تنظيماً دقيقا؟ هل كلُ واحدٍ منا يعيشُ هَمَّ هذه الدعوة، ويفكِّرُ لها ليلَ نهار؟ ثم ماذا عمِلَ إن كانَ فكَّرَ ورتَّبَ لذلك؟ والله لا عُذر لنا أمامَ الله سبحانه وتعالى فيما نرى من المصائبِ والمشكلات.
الثاني عشر: البيتُ المسلمُ المتكامل.
لقد كانَ البيتُ المسلمُ حاضراً لأخطرِ قرارٍ في تاريخِ الدعوة، فقد كانتْ عائشةُ وأسماءُ رضي الله عنهما تسْتمعانِ لتلكَ المداولاتِ التي دارت بين رسولِ الله صلى الله عليه وسلمَ وبين والدهِما أبيِ بكر الصديقٍ رضي الله عنه قالت"بينما نحنُ يوماً جلوسٌ في بيتٍ أبي بكرٍ في نحرِ الظهيرةِ، قال قائلٌ لأبي بكر: هذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم متقنِّعاً في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكرٍ: فداءً له أبي وأمي، والله ما جاءَ به في هذه الساعةِ إلا أمرٌ، قالت: فجاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنَ فأذِنَ له فدخل، فقال النبيُ صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أَخْرِجْ مَن عندَك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلُكَ بأبي أنتَ يا رسول َالله، قال: فإني قد أُذِنَ لي في الخروجِ، فقال أبو بكرٍ: الصحبةَ بأبي أنت يا رسولَ الله، قال رسولُ الله: نعم، قال أبو بكرٍ: فخُذْ بأبي أنت يا رسولَ الله إحدى راحلتِي هاتين، قال رسولُ الله، بالثمنِ، قالت عائشةُ: فجهزناهما أحسنَ الجهازِ وصنعنَا لهما سَفْرَةً في جرابٍ فقطَعَت أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ قِطعةً من نِطَاقِها فربطتْ به على فَمِ الجِرابِ فبذلكَ سُميت ذاتُ النطاقين"