الله أكبر.. ما أجملَ هذا البيتَ المسلمَ بيتَ أبي بكرٍ، أبو بكرٍ، وابْنُه عبد الله وابْنتاه أسماءُ وعائشةُ، بل وحتى مولاهُ عامرُ بنُ فُهيرةَ، في وسطِ الجاهليةِ، ومرابضِ الوثنيةِ، في وسط هذا الخِضَّمِ الأسودِ الذي يَهْرُبُ فيه المسلمونَ بعقيدتهم، نجد بيتا صالحا فيه مُقَوِماتُ الصلاح، فعندما قالَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم"أَخرِج من عندك، قال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله"أكانَ الرسولُ صلى الله عليه وسلم يجهلُ أنهما ابنتا أبي بكر؟ لا وربي، فهْو يعْرفهُما، ولكن أراد أبو بكرٍ أن يقولَ"إنهما على منهجي، همَا على عقيدتي، لا خوف عليهما يا رسولَ الله".
لقد وقفتُ أمامَ هذا البيتِ المسلمِ، وقارنت هذا البيتَ المسلمَ ببيوتِنا في ديارِ الإسلام، أين البيتُ الذي تتوفرُ فيه صفاتُ البيتِ المسلمِ كبيت أبي بكر..؟
إن من أولى أولوياتِ البيتِ المسلمِ وأسمى رسالةٍ يقدمُها للمجتمعِ تربيةُ الأولاد، وتكوينُ جيلٍ صالحٍ قويٍ، ولا قيمةَ للتربيةِ ولا أثرَ للنصيحةِ إلا بتحقيقِ القدوةِ الحسنةِ في الوالدين؛ القدوةِ في العبادةِ والأخلاق، القدوةِ في الأقوالِ والأعمال، القدوةِ في المخبرِ والمظهر.
في غَيابِ البيتِ المسلمِ الهادئِ الهانئِ ينمو الانحرافُ، وتفشو الجريمةُ، وترتفعُ نسبةُ المخدرات، بل ونسمعُ بارتفاعِ نسبةِ الانتحار.
إن البيتَ الذي لا يَغرِسُ الإيمانَ ولا يستقيمُ على نهجِ القرآن ولا يعيشُ في أُلفةٍ ووئام، يُنجِبُ عناصرَ تعيشُ التمزُّقَ النفسي، والضياعَ الفكري، والفسادَ الأخلاقي، هذا العقوقُ الذي نجده من بعضِ الأولادِ والعَلاقاتِ الخاسرةِ بين الشباب والتخلي عن المسؤوليةِ والإعراضِ عن الله والتمرُّدِ على القيمِ والمبادئِ الذي يعصِفُ بفريقٍ من أبناءِ أمتنا اليوم، ذلك نتيجةٌ حتميةٌ لبيتٍ غفلَ عن التزكيةِ، وأهملَ التربيةَ، وفقدَ القدوةَ، وتشتَّت شملُه.
البيتُ الذي يجعلُ شرائعَ الإسلام عِضين، يأخذ ما يشتهي، ويذرُ ما لا يريد، إلى شرقٍ أو غرب، يُنشئ نماذجَ بشريةٍ هزيلةً ونفوساً مهزوزة، لن تفلحَ في النهوضِ بالأمةِ إلى مواقعِ عزها وسُؤدُدِها.
من سماتِ البيت المسلم أنه يرُدُ أمرَه إلى الله ورسولِه صلى الله عليه وسلم عندَ كلِّ خلاف، وفي أي أمرٍ مهما كان صغيراً، وكلُ مَن فيه يرضى ويسلِّم بحكم الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلاً مُّبِيناً) .
من سماتِ البيتِ المسلمِ تعاوُنُ أفراده على الطاعةِ والعبادة، فضعْفُ إيمانِ الزوجِ تقوِّيهِ الزوجةُ، واعوجاجُ سلوكِ الزوجةِ يقوِّمُه الزوج، تكاملٌ وتعاضُد، ونصيحةٌ وتناصر.
من سماتِ البيت المسلمِ الحياءُ، وبه يُحصِّنُ البيتُ كِيانَه من سهامِ الفتكِ ووسائلِ الشر التي تدعُ الديارَ بلاقع، لا يليقُ ببيتٍ أسِّس على التقوى أن يُهتَكَ سترُه، ويُنقضَ حياؤه، ويلوَّثَ هواؤه بما يخدشُ الحياءَ من أفلامٍ خليعةٍ وأغانٍ ماجنة ونبذٍ للحجابِ وتشبهٍ بأعداء الدين، كلُ ذلك ينخِرُ كالسوسِ في كَيانِ البيتِ المسلم، وبُؤَراً تفتحُ مغالقَ الشرِّ وتدعُ العامرَ خرابًا.
من سماتِ البيتِ المسلم أن أسراره محفوظةٌ، وخلافاتِه مستورةٌ، لا تُفشى ولا تُستقصى"إن من شرِّ الناسِ عند الله منزلةً يوم القيامةِ الرجلُ يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه، ثم يَنْشُرُ سِرَّها".
لا يدخلُ البيتَ المسلمَ من لا يُرضَى دينُه، فدخولُ المفسدِ فسَاد، ووَلوجُ المشبوهِ خطرٌ على فلذات الأكباد بهؤلاء فسدتِ الأخلاقُ في البيوت، وفشا السحرُ، وحدثتِ السرقاتُ، وانقلبتِ الأفراحُ أتراحا، بل إنهم معاوِلُ هدمٍ للبيتِ السعيد، والله المستعان..