أدب الله عز وجل عباده المؤمنين في مخاطبة نبيه صلى الله عليه و سلم والكلام معه تشريفا وتعظيما وتقديرا له , فأمرهم أن لا يخاطبونه باسمه بل يخاطبوه: يا رسول الله , يا نبي الله وإذا كان الله تبارك وتعالى خاطبه في كتابه العزيز بالنبوة والرسالة ولم يناده باسمه زيادة في التكريم والتشريف كما مر ذكره .فمن باب أولى وأحرى أهل الإيمان .واختص رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك بخلاف سائر الأنبياء والمرسلين فإن أممهم كانت تخاطبهم بأسمائهم قال الله جل ذكره لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ سورة النور آية 63
بخلاف ما خاطبت به الأمم السابق أنبياءها فقال تعالى حكاية عنهم: قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ سورة الأعراف آية 134 قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ سورة الأعراف آية 138
تاسعاً: كلم جامع
فضل الله عز وجل نبيه صلى الله عليه و سلم على غيره من الأنبياء عليهم السلام بأن أعطاه جوامع الكلم , فكان صلى الله عليه و سلم يتكلم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني أعطاه مفاتيح الكلام وهو ما يسره له من البلاغة و الفصاحة , والوصول إلى غوامض المعاني وبدائع الحكم ومحاسن العبارات و الألفاظ التي أغلقت على غيره وتعذرت عليه قال العز بن عبد السلام رحمه الله: ومن خصائصه أنه بعث بجوامع الكلم , واختصر له الحديث اختصارا , وفاق العرب في فصاحته
عاشراً: نصر بالرعب
اختص نبينا صلى الله عليه و سلم , بأن الله عز وجل نصره بالرعب , وهو الفزع والخوف , فكان سبحانه يلقيه في قلوب أعداء رسوله صلى الله عليه و سلم , فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر أو شهرين هابوا وفزعوا منه , فلا يقدمون علي لقائه
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر
وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: فضلت على الأنبياء بخمس: بعثت إلي الناس كافة , وادخرت شفاعتي لأمتي , ونصرت بالرعب شهراً أمامي , وشهراً خلفي , وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً , وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي
حادي عشر: مفاتيح خزائن الأرض بيده
أكرم الله عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه و سلم واختصه على غيره من الأنبياء بأن أعطاه مفاتيح خزائن الأرض وهي ما سهل الله تعالي له ولأمته من بعده من افتتاح البلاد المتعذرات والحصول على كنوزها وذخائرها ومغانمها واستخراج الممتنعات من الأرض كمعادن الذهب والفضة وغيرها
عن عقبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت , ثم انصرف على المنبر فقال:إني فرط لكم , وأنا شهيد عليكم , وإني والله لأنظر إلي حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي , ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها
ثاني عشر: ذنوب مغفورة
اختص الله تعالى عبده ورسوله محمداً r تشريفاً له وتكريماً بأن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأخبره بهذه المغفرة وهو حي صحيح يمشي على الأرض
قال العز بن عبد السلام: من خصائصه أنه أخبره الله بالمغفرة ولم ينقل أنه أخبر أحداً من الأنبياء بذلك وقال تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ {1} وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ {2} الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ {3} وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ - سورة الشرح آيات من 1 الى 4
وفي حديث أنس رضي الله عنه في الشفاعة وفيه: (فيأتون عيسى فيقول اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه و سلم , فيقولون: يا محمد , أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه
فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟
قال: أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً فلما كثر لحمه صلى جالساً , فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع
ثالث عشر: كتاب خالد محفوظ
أعطى الله تبارك وتعالى كل نبي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الآيات والمعجزات الدالة على صدقه وصحة ما جاء به عن ربه فيه كفاية وحجة لقومه الذين بعث إليهم , وهذه المعجزات كانت وقتية انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها
وأما نبينا صلى الله عليه و سلم فكانت معجزته العظمى التي أختص بها دون غيره هي القرآن العظيم الحجة المستمرة الدائمة القائمة في زمانه وبعده إلى يوم القيامة .كتاب خالد لا ينضب معينه ولا تنقضي عجائبه ولا تنتهي فوائده محفوظ بحفظ الله من التغيير والتبديل والتحريف