يهدي به الله من \تبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم 16 {المائدة: 16} .
3-ثناء الشعراء المؤمنين على مرِّ العصور:
وقد عرف المؤمنون رسولهم ونبيُّهم محمداً ، وأصبح حُبّه جزءاً رئيساً من الإيمان، ليكون حُبُّ الله ورسوله الحبَّ الأكبر في حياة المؤمن، ومنه ينبع كلُّ حبٍّ في الحياة الدنيا . ومن هذا الحب الصادق انطلق الشعراء المسلمون يمدحون رسول الله بقصائدهم الغنيَّة بالبيان والصدق والوفاء .
ولعلَّ أول من بدأ بمدح رسول الله من الشعراء الأعشى الكبير ميمون ابن قيس في قصيدته التي مطلعها (4) :
ألم تَغْتمِضْ عيناك ليلة أرمدا
وعادك ما عاد السليم المسهَّدا
وقد نظم القصيدة حين عزم على أن يسلم، وتوجَّه إلى النبيّ بهذه القصيدة، فصدَّته قريش لما خافت من أثر شعره في العرب، إذ كان يُسمَّى صنَّاجة العرب . ونجحت قريش في صدَّه فعاد إلى قريته، وفي طريق عودته رمى به بعيره إلى الأرض فمات، وذلك سنة 629م .
وقصة كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله عنه، حين هجا الرسول ، ثمَّ تاب وتوجّه إلى الرسول الكريم بقصيدته الرائعة، وأعلن توبته بين يدي الرسول ، ثمَّ ألقى قصيدته التي مطلعها (4) :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ
مُتيمّ إثرها لم يُفْدَ مكبول
وإني لأعدُّ هذه القصيدة من روائع الأدب العالمي . وإني لا أرى كما يرى الكثيرون أنَّ مطلعها غزل وتشبيب كعادة العرب في الجاهلية، ولكني أرى أنَّ كعباً يصف فيها رحلته من الجاهلية التي كان قد عشقها ثمَّ فارقها (بانت سعاد) إلى الإسلام والإيمان الذي دخل قلبه وملك حبّه (أمْستْ سعاد بأرضٍ لا يبلّغها: إلا العتاق النجيبات المراسيل) .
ثمَّ تتدافع الشعراء من أصحاب رسول الله يمدحون نبيّهم ورسولهم، ويدافعون عنه ويدفعون عنه أذى قريش وشعرائها . وكان من شعراء الصحابة عبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وحسان بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين . ولكن حسان بن ثابت كان أطولهم باعاً وأشدهم إيذاءً لقريش .
وكان وصف أم معبد لرسول الله حين مرَّ بخيمتها:
"رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبْه ثُعلة، ولم تُزْرِ به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي ضوئه صحل، وفي عنقه سطع، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإن تكلَّم علاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق لا نزر ولا هذر ....الخ" (5) . وقد وصفه عليٌّ بن أبي طالب في بيان رائع، وكذلك أنس بن مالك، وأبو جحيفة، والبراء، وجابر بن سمرة، وأبو هريرة، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
وقد توالى الشعراء المسلمون على مرِّ العصور يدفعون لآلئ قرائحهم وغنيّ بيانهم في مدح رسول الله ، حتى لا يكاد يخلو عصر من أحد منهم. وجاء الشعراء في العصر الحديث يبدعون في هذا المديح. وكان أولهم محمود سامي باشا البارودي في قصيدته:"كشف الغمة في مدح سيد الأمة"في أربعمائة وسبعة وأربعين بيتاً، وكذلك أحمد محرَّم في ديوانه مجد الإسلام، وشوقي في قصيدتيه البائية والهمزية، وعمر أبو ريشة في مقدمة ملحمته، وعدنان النحوي في قصيدته رسول الهدى في سبعة وأربعين بيتاً .
ولقد بيّنَّا في هذه الصفحات كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى قد أثنى على عبده النبيّ الخاتم أعلى ثناء، وكيف مدحه عدد من أصحابه الشعراء وأخرسوا سفهاء قريش، وكيف وصفته أم معبد، وهي لم تره إلا مرّة واحدة ولفترة قصيرة، ولكنه أثر النبوّة المشرق الذي يؤثر في النفوس، ويزداد تأثيره كلما صفت النفوس وزادت إيماناً. وأشرنا كذلك كيف وصفه بعض الصحابة كذلك وصفاً جامعاً يهزُّ النفوس.
4-النبيّ العظيم يصف نسبه ومنزلته عند الله:
وبالإضافة إلى ذلك كله، فقد عرَّفنا رسول الله بنسبه وكيف اختاره الله من خير قرون بني آدم قرناً فقرنا . فلننظر في قبسات من الأحاديث الشريفة حول ذلك:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال:"بُعثتُ من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً، حتى كنتُ من القرن الذي كنتُ منه" (6) .
عنه أيضاً عن الرسول أنه قال:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشقُّ عنه القبر، وأول شافع وأول مشفّع" (7) وفي رواية أخرى عنه أيضاً في حديث طويل:"أنا سيد الناس يوم القيامة. وهل تدرون بِمَ ذلك ؟! يجمع الله الأولين والآخرين " (8) .
وعن المطلب بن أبي وداعة عن العباس عن الرسول أنه قال:"..أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين، فجعلني في خيرهم فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتاً، فجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيركم بيتاً، وخيركم نفساً" (9) .
والأحاديث الشريفة كثيرة حول هذا الموضوع، حيث يظهر فضل الله على خلقه جميعاً أن بعث فيهم محمداً على أحسن هيئة خَلْقاً وخُلُقاً، وأحسنهم منبتاً .