لم يكن الأمر مصادفة أو زلّة رسَّام! فلقد أرسل المحرّر الثقافي في الجريدة دعواتٍ إلى أربعين رسَّاماً يدعوهم إلى رسم النبيّ ، فأجاب الدعوة اثنا عشر رساماً فقط. وكانت ملكة الدنمارك"مارغاريت"الثانية، قد اعتبرت أنَّ الإسلام يمثّل تهديداً على المستويين المحلي والدولي، وحثَّت حكومتها على عدم التسامح مع المسلمين والإسلام! ودون مبالاة لما قد تثير هذه السياسة من غضب خارجي! إنها لغة التهديد والإثارة بكل الاعتبارات اللغوية والسياسية والرسمية. ويرفض رئيس وزراء الدنمارك مقابلة السفراء المسلمين الرسميين في بلده . وتتولى أجهزة الدولة والصحافة صياغة المسوِّغات لهذا العمل، فكانت الأعذار أقبح من الذنب . عدوان إثر عدوان . وكان أوقح ما في هذه الأساليب قول الصحيفة:"إننا لا نعتذر عن عمل هو جزء طبيعي من النشاط الإعلامي....". الصحيفة الدنماركية هي صحيفة"يولاند بوستن"، والصحيفة النرويجية هي:"مغازينات"! وكذلك امتدَّت الهجمة على الإسلام بإعادة إذاعة هذه الصور الكاذبة في صحف فرنسا وإسبانيا وألمانيا وسويسرا. وربما تمتدُّ الهجمة إلى أبعد من ذلك .
ولا ننسى ذلك المخرج الهولندي الذي أخرج فيلماً مسيئاً إلى الرسول الكريم وإلى الإسلام، والذي أثار ضجّة كبيرة . ولا ننسى كذلك قضية المؤسسة التي أصدرت كتاباً أسمته"الفرقان"تزوّر فيه جملاً وكلمات تحريفاً لآيات الله في القرآن الكريم، وطعناً في الإسلام والإيمان والتوحيد . يضاف إلى ذلك جهود الحركات التنصيرية في العالم الإسلامي، وما تقوم به من محاولات لصرف المسلمين عن دينهم، وتشويه صورة الإسلام، وإثارة الفتن !
إنَّ هذا كلّه ليدلّ دلالة واضحة على أنَّ القوم يمضون على نهج وخطة وليس على عمل ارتجالي . ولا بدَّ للمسلمين أن يجابهوا ذلك بعمل منهجي مدروس يجمع جهود الأمة كلها.
11-واجب المؤمنين أمام هذا الاعتداء والنصيحة الواجبة:
القضيّة قديمة، بدأت، كما تذكر بعض الصحف، قبل ثلاثة أشهر، واشتدَّ التفاعل ضدّ هذه الإهانة الكبيرة منذ أسبوع أو أسبوعين . وإن كان قد بدأت محاولات هادئة لا تتناسب مع عظم الجريمة . إنها حقاً جريمة، وجريمة كبيرة في ميزان الإسلام . أين المسلمون ؟! وأين المليار من المسلمين ؟!
أُمة الحقِّ ! ما دهاكِ فأصْبح
تِ شظايا تطايرتْ في النجادِ
كلما رُمْتِ ملتقيً كُنتِ في السا
حةِ أوهى من حفنة من رمادِ (13)
لقد هان المسلمون في الأرض، وأصبحوا غثاءً كغثاء السيل، كما جاء في حديث رسول الله يرويه ثوبان رضي الله عنه: (يوشك الأمم أن تتداعى عليكم كما تتداعى الأكلة على قصعتها". فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم كثير . ولكنكم غثاء كغثاء السيل . ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن"فقال قائل: يا رسول الله ! وما الوهن ؟! قال: حبُّ الدنيا وكراهية الموت!) (14) .
منذ سنين طويلة، حين أصدرتُ كتابي:"دور المنهاج الرباني في الدعوة الإسلامية"، ذكرتُ هذا الحديث الشريف، متوقعاً أن حالة المسلمين ستتحسَّن مع الأيَّام ومع ضجيج الشعارات، وكثرة المؤتمرات، وتزاحم الكتب والمقالات، وتزاحم الدعاة هنا وهناك، وبعد هذه السنين أرى أننا ما زلنا غثاءً كغثاء السيل .
وأول سبب أجده لهوان المسلمين هو تمزّقهم أقطاراً ومصالح وأهواءً، وشيعاً وأحزاباً، يخالفون بذلك ما أمرهم الله به ورسوله:
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على"شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون 103 {آل عمران: 103} ."
ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم 105 {آل عمران: 105} .
إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون 159 {الأنعام: 159} .
وآيات كريمة أخرى تنذر المسلمين إن تفرّقوا إنذاراً شديداً. وحسبك هذا الإنذار في الآية السابقة: وأولئك لهم عذاب عظيم !
وأهم سبب لهذا التمزّق والهوان، هو عدم التزام الإسلام التزاماً أميناً، وعدم التزام الكتاب والسنَّة التزاماً أميناً، وبذلك عدم طاعة الله ورسوله:
وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين 46 {الأنفال: 46} .
ولا بدَّ على ضوء ذلك أن توضع قاعدة عمليّة نابعة من قواعد الإيمان والتوحيد ومن منهاج الله، ومن مدرسة محمد ، قاعدة تثبّت مسؤوليات الفرد المسلم ودوره، ودور الأسرة في البناء والتعهد، ودور كل مؤسسة في الأمة المسلمة، وتبين قواعد التربية والبناء، والأهداف والصراط المستقيم الذي يوصل إلى الأهداف، ليكون الدرب ربانياً، والأهداف ربانية . لقد تناثرت الأهداف، وتباعدت الدروب، وقد جعل الله لعباده المؤمنين درباً واحداً
واحداً يجمعهم، ولغيرهم سبلاً شتَّى: