من هذا العرض السريع نرى بجلاء أنه لا يوجد لدى البشرية كلها من نال من الثناء والإجلال في جميع العصور ومن مختلف الاتجاهات ما ناله نبيُّ الرحمة محمد . فمن مِن الناس، مثلاً كُتبَ في الثناء عليه شعر تجاوز ألفاً وخمسمائة صفحةً، خلاف النثر والكتب والمؤلفات . ولا بدَّ أن نؤكِّد أنَّ أعظم ثناء ناله هو من الله سبحانه وتعالى .
8-الرسول في قلوب المؤمنين:
وسيظلُّ ذكرُ الرسول مقترناً بذكر الله الذي لا إله إلا هو، وسيظلُّ حبّ الله ورسوله الحبّ الأكبر في قلوب المؤمنين، منه ينبع كل حبٍّ في الحياة الدنيا، وسيظلُّ العهد الأول مع الله سبحانه وتعالى، منه ينبع كلُّ عهد في الحياة الدنيا ويرتبط به، وسيظلُّ الولاء الأكبر هو لله سبحانه وتعالى، منه تنبع كلُّ موالاة في الحياة الدنيا، لتبني أُخوّة الإيمان بين المؤمنين جميعاً كما أمر الله ورسوله .
وهذا الإيمان الذي يدعو إليه الكتاب والسنة هو الذي يجمع المؤمنين أمة مسلمة واحدة، ممتدّة مع الدهر، يهابها أعداء الله ما التزم المؤمنون التزاماً صادقاً برسالتهم، وما داموا صفَّاً واحداً كما أمر الله، وما داموا يحملون رسالة الله يبلِّغونها إلى الناس كافَّة !
9-هل دين الله واحد أم أديان؟:
إن دين الله واحد للرسل جميعاً وهو الإسلام . فلقد كان الإسلام دين جميع الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله إلى عباده، والذين خُتموا بمحمد فليس عند الله إلا دين واحد هو الإسلام . ولا يُعقل أن يكون هنالك أديانٌ سماوية توحيدية، كما يزعم الكثيرون، وكما يردِّد ذلك بعض المسلمين .فذلك تناقض واضح بين كلمة أديان وكلمة سماوية توحيدية .
وهل يُعقل أن يبعث الله لعباده بأديان مختلفة يتصارع الناس عليها، وهو الله الذي يريد لعباده جميعاً الإيمان الواحد الصادق، والذي جعل الجنَّة مأوى الصادقين والنار مأوى المكذّبين ! فلا بدَّ أن يكون الدين عند الله واحداً، وأن يبعث جميع الأنبياء والمرسلين بدين واحد، حتى لا يناقض نبيٌّ نبيَّاً، فيختلط الأمر على الناس .
ونحن المسلمين نؤمن بالأنبياء والرسل جميعاً، وبالكتب المنزلة قبل تحريفها جميعاً . وأيّ إخلال بذلك هو إخلال بالإيمان والتوحيد . فلا نؤذي نبيّاً ورسولاً، ولا نفرّق بين أحد منهم:
آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير 285 {البقرة: 285} .
10-إيذاء رسول الله يجلب لعنة الله وغضبه:
فالاجتراء على نبيٍّ من الأنبياء اجتراء على الله، وإيذاء النبيّ هو إيذاء لله، يُنزل الله به غضبه ولعناته:
إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا 57 {الأحزاب: 57} .
ولقد وجد أهل الكتاب صادق الرعاية والرحمة في ظلال حكم الله ورسوله، حكم الكتاب والسنَّة، ولقد أحسن محمد إليهم إحساناً كبيراً، وكذلك فعل المؤمنون .
فما بال بعض النصارى، أو المنتسبين إلى دين عيسى عليه السلام، بعد أن حرَّفوه وبدَّلوا وغيَّروا، ما بالهم يحملون الأحقاد على الإسلام والمسلمين، وعلى رسول الله . فلا تكاد تهدأ فتنة حتى تثور فتنة. وقد نبَّأنا الله في كتابه الحكيم أنه قد جعل لكل نبيّ عدوّاً من المجرمين، من شياطين الإنس والجن . وقد بدأت العداوة لمحمد من لحظة ابتعاثه من قريش وبعد ذلك من اليهود، ثمَّ امتدَّ الحقد مع الزمن حتى تولَّى كبر ذلك: المشركون والكافرون والمنافقون والظالمون من أهل الكتاب في إيذاء بعد إيذاء عبر التاريخ، حتى الحروب الصليبية، وحتى ظلمهم وعدوانهم على مسلمي الأندلس، و كلما واتت فرصة لذلك !
وجاءت الحادثة الأخيرة عندما نشرت إحدى صحف الدنمارك صوراً مهينة ومؤذية لرسول الله . واعتبرت الدولة أنَّ هذا من باب حريّة الرأي!، وكأنَّها اعتبرت الناس بلا عقول حتى يصدّقوا أنَّ هذا من باب حريّة الرأي . وإن كان الأمر كذلك فعلى دولة الدنمارك أن تراجع قوانينها، وأن تتعلَّم من الإسلام، ومن محمد ، حدود حريّة الرأي، وأدب الرأي، وحقوق الإنسان . ثمَّ تولّت صحيفة نرويجية نشر تلك الصور أيضاً، وفي بلادهم جميعاً مسلمون أقاموا عشرات السنين، ما قدَّموا إلا الخير والإحسان .