اثار نشر صحيفة دنماركية صور مسيئة للرسول محمد (ص) استياء ملايين المسلمين في العالم، خصوصاً انه عكس الأجواء السلبية المشحونة بالتوتر وبرائحة العنصرية التي سادت لدى بعض الاوساط في اوروبا واميركا والتي اتخذت اجراءات «قانونية» وغير قانونية استهدف بعضها مباشرة الجاليات العربية والاسلامية، حيث شكلت مرتعاً خصباً لنزعات الكراهية والعداء للآخر وعدم التسامح، والتي تعاظمت إثر تفجيرات 11 ايلول (سبتمبر) الارهابية وراح ضحيتها أكثر من 3 ألف انسان بريء، وكذلك ما أعقبها من تفجيرات حصلت في العديد من البلدان الاوروبية.
ومعروف ان العنصرية بيئة مشجعة على الارهاب، لأنها لا تتسم بالعدل والمساواة والاقرار بالحقوق واحترام التنوع والاختلاف، فهي بيئة إلغائية استئصالية اقصائية، لتغذية العنف والعنف المضاد وردود الافعال والانتقام. واذا كان المتهم الاساسي الذي أدين في مؤتمر ديربن العالمي حول العنصرية 2001، هو «السياسة العنصرية» ومن يقف وراءها، حيث كانت سياسة اسرائيل العنصرية والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني واعمال الابادة والارهاب الرسمي هي التي وقفت امام المساءلة وحظيت بحيز كبير من هذه الادانة، فإن وجهة الإتهام تحولت الى «العرب والمسلمين» ، حين ظهر إنتماء من نفذوا العمليات الارهابية اليهم.
ولم يشفع لهم ادانتهم الشديدة لتلك الاعمال الارهابية وتعاونهم من اجل استئصال شأفة الارهاب، كما لم يغفر لهم انهم كانوا ضحية الارهاب على مدى يقارب عن ستة عقود من الزمان، سواء الارهاب الموجه من الخارج ضدهم، او الارهاب الداخلي الذي اشتد في الربع الأخير من القرن الماضي على يد جماعات متطرفة ومنغلقة وتدعي امتلاك الحقيقة، فكانت تنتهج نهج الارهاب والعنف واستخدام القوة وسيلة لاملاء ارادتها وفرض رأيها القائم على تحريم الاخر وتجريمه وتأثيمه، سواء كان هذا الاخر داخلياً ام خارجياً، فلا فرق لديها.
وهنا لا بد من الاشارة الى ان بعض هذه الجماعات المتطرفة كانت تحظى بتأييد ودعم من «الغرب» بصورة معلنة او مستترة، بل إن بعضها جرت محاولات لتصنيعه، وتلك احدى مفارقات الصراع في منطقتنا وعلى ضفافها اذا جاز التعبير، سواء شمال المتوسط أو عبر القارات.
المعركة حالياً لا تدور بالجيوش وحدها، وسيلة للصراع، وليس الاقتصاد والايديولوجيا وحدهما علامات أساسية لهذا الصراع، بل امتد الصراع وشمل على نحو أوسع وأعمق تأثيراً الحقل الثقافي. وليس عبثاً أن يعبر الرئيس الفرنسي جاك شيراك في حفل افتتاح مؤتمر اليونسكو الـ33 في تشرين الأول (اكتوبر) 2001 عن ذلك حين قال «ان القرن التاسع عشر شهد صراعات القوميات والقرن العشرين شهد صراع الايديولوجيات، اما القرن الحادي والعشرين فقد شهد صراع الثقافات» .
لقد جعلت «العولمة» العالم كله «قرية كونية» وان كنت من الذين ينددون بالعولمة ويلحظون سلبياتها الكثيرة، الا ان للعولمة ايجابياتها غير القليلة ايضاً، وعلى النخب الفكرية والثقافية العربية والاسلامية والعالمثالثية ومعها نخب أوروبية وغربية متنورة، ان تسعى لعولمة حقوق الانسان والمعرفة وثقافة التسامح والعدل والاستفادة من المنجز العلمي - التقني على المستوى العالمي لما فيه خير البشرية وسلامها وتقدمها ورفاهها.
واذا كان رد الفعل شديداً وسريعاً ازاء ما نشرته الصحيفة الدنماركية وعدد من الصحف الاوروبية، فإن ردود الفعل العربية والاسلامية ازاء ما صدر من قوانين لمكافحة الارهاب رغم انها كانت مفصلة عليهم لم تكن بالمستوى المطلوب. ان بعض التصرفات العنصرية تثير العديد من التساؤلات القديمة الجديدة: هل نحن في مجابهة مع الغرب؟ وهل ثمة مواجهة بين الغرب والاسلام؟ هل هي مشكلة الحداثة او ما بعد الحداثة؟ هل في الاعلان عن دخول عالم «ما بعد التاريخ» الذي دعا اليه فرانسيس فوكوياما بإقرار ظفر الليبرالية على المستوى الدولي كنظام سياسي واقتصادي، يوصل العالم الى شاطئ السلام؟ أم الاقرار بـ «صراع الحضارات» الذي دعا اليه صموئيل هنتنغتون حين طلب شحذ جميع الاسلحة لمواجهة الخطر الراهن؟ وقصد به الاسلام بعد انهيار الشيوعية على المستوى الدولي.
اين هي حدود الوصل والفصل بين الدعوة الى التعددية واحترام حقوق الانسان وحرية السوق، ازاء محاولات فرض الاستتباع والهيمنة؟ وكيف السبيل الى اجراء اصلاحات ضرورية في العالم العربي والاسلامي كتعبير عن استحقاق وحاجة ماسة داخلية أولاً وقبل كل شيء وليس ارضاء لأحد أو استجابة لطلب خارجي!
ثمة وجهتا نظر مخطوءتان في رؤية كل من الغرب الى العرب والمسلمين وفي رؤية العرب والمسلمين الى الغرب بشكل عام، وان كنت لا أنفي التمايز في المواقف لكلا الفريقين، الا انه السائد بل اليومي الذي يحدد علاقة السياسة بالثقافة احياناً وبالعكس.