وكمقدمة لهذه الفقرة اقول إن هناك نحو بليون وأربعمئة مليون مسلم أو ما يقارب ذلك متوزعين على أكثر من 60 بلداً بينهم 57 دولة اسلامية (عضو في المؤتمر الاسلامي) اضافة الى بلدان يشكل المسلمون جزءاً كبيراً من سكانها (اقلية عددية كبيرة) مثل الهند واثيوبيا، وهناك 16 مليون مسلم في روسيا وحدها. ان سكان العالم الاسلامي يؤلفون نحو خمس سكان العالم، كما تؤلف البلدان الاسلامية نحو ثلث دول العالم البالغة 190 دولة.
لقد ظل الفهم قاصراً في النظر الى المسلمين باعتبارهم «كتلة واحدة» . و»الاسلام شيء واحد». بل هناك ادغام وتشوش احياناً بين الجماعات الاسلامية والاسلام أو بين المسلمين والاسلاميين والاسلامويين. وذلك في حمى الحديث عن «التهديد الاسلامي» و «الخطر الاسلامي» ، وبإستعادة لغة الحرب احياناً عند الحديث عن الاسلام باعتباره «عدواً» وليس المكون الثقافي لمئات الملايين من البشر، وبذلك تكاد تكون غالبية المسلمين حسب وجهة النظر هذه «مجبولة» على الارهاب وعلى «العدوانية» التي تدمغهم دون تمييز او تمحيص او محاولة للفهم بأصول الدين وبالقانون والانظمة السائدة وبالسياسة المتبعة وبالعلاقات الدولية، ناهيكم عن التنوع والاختلاف التي تمتاز به المجتمعات الاسلامية مثل غيرها من المجتمعات.
فللإسلاميين وللمسلمين وبشكل عام آراء مختلفة في السياسة والمجتمع والعلاقات تبعاً لاختلاف المصالح والأهداف والتصورات. والاسلام ليس كله ولا حتى المسلمين كلهم أو معظمهم او حتى جزء مؤثر منهم يؤيدون تنظيم «القاعدة» أو رؤية حكومة «طالبان» الأفغانية أو نموذج اسامة بن لادن ولعلهم لا يرحبون بقيام دولة دينية لما أفرزته التجربة المريرة في أفغانستان أو غيرها من «الأنظمة الإسلامية» ، بل ان قسماً كبيراً وحاسماً من الاسلاميين ناهيكم عن المسلمين لم يؤيدوا اجراءات حكومة «طالبان» وتعصب تنظيم القاعدة والتوجهات الارهابية التي اعتمدها، بما فيها تحطيم التماثيل البوذية في باميان باعتبارها «غير اسلامية» وهو موقف فيه الكثير من انعدام الذوق والحس الجمالي ناهيكم عن كونه تفريط بثروة تاريخية عالمية ذات قيمة لا تقدر بثمن، وكذلك الموقف من المرأة و قضايا التقدم الاجتماعي والمجتمع المدني والتفاعل مع الحضارة الانسانية.
المجتمعات العربية والاسلامية مثل غيرها من المجتمعات الانسانية تمثل حضارة وتاريخاً وقيماً وتوجهات فكرية وقومية وثقافية واختلافات سياسية ومدارس نظرية بخصوص التنمية والتطور، وهي تتأثر بالعالم وبكل ما يجري حولها من تقدم وعلوم وتكنولوجيا وافكار ومتغيرات. ومع ان هويتها العامة هي الاسلام، فهو ليس دين حسب، بل هو في نهاية المطاف حضارة لأمم وشعوب وتكوينات عرقية وأثنية ولغوية وأصول متنوعة، ساهم الاسلام في حياتها من دون ان يضع حاجزاً امام انخراطها في الركب الحضاري نحو الحداثة والديموقراطية وحقوق الانسان، وهو ما يتم التطلع نحوه بشكل كبير وهو ما يجري الصراع حوله بشكل أكبر بين التيار التقليدي والتيار الحداثوي.
واذا كانت نظرة «الغرب» الى الاسلام قاصرة وان كانت بالطبع نظرة غير موحدة بحكم وجود تيارات وتوجهات فكرية وثقافية مختلفة، إلا أن هذه هي نظرة الغرب السياسي، وبخاصة ازاء التيارات الاسلاموية التي قد تنسحب احيانا الى الاسلام ككل لأسباب سياسية، فإن النظرة السائدة في العالم العربي والاسلامي الى «الغرب» هي الاخرى نظرة «كلانية» او كلية، أي شمولية مستندة الى التاريخ أحياناً بل تلجأ الى استحضاره بشأن الصراع بين «الغرب» و»الاسلام» كلما وجدت حاجة الى دعم وجهات نظرها الراهنة، فهو صراع تاريخي، حتمي منذ حروب الفرنجة» ولا أقول الحروب الصليبية» وقبلها في الفتوحات الاسلامية، بل انها حرب «صليبية جديدة» كما يذهب البعض.
الصراع اذن حسب وجهة نظر بعض المتطرفين والمتعصبين في العالمين العربي والاسلامي هو صراع متوارث، قيمي وديني وأخلاقي، لا سبيل للتلاقي أو التعايش معه، لأن الحضارة الغربية هي حضارة مسيحية - يهودية ، ويتم دمغها احيانا «بالكافرة» وحسب هذا المفهوم فهو صراع تناحري لا سبيل الى حله سلماً او اعترافاً بالآخر. وذلك من دون النظر الى المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة والمشتركات الانسانية.