فهرس الكتاب

الصفحة 2895 من 3657

حكم العمل بالحديث الموضوع:

العمل بالحديث الموضوع حرام بالإجماع، لأنه ابتداع في الدين بما لم يأذن به الله، يقول صلى الله عليه وسلم:"وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" [23] ويقول:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" [24] هذا في الأمور الدينية التعبدية، أما في الأمور الدنيوية: فالعمل به على أنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم حرام أيضاً، أما على غير ذلك فحكمه يختلف باختلاف تلك الأعمال، وتنطبق عليه الأحكام الشرعية والقواعد المرعية.

أسباب الوضع في الحديث النبوي:

1 -الخلافات السياسية ، وقد كانت الشرارة الأولى لهذه الخلافات بعد مقتل عثمان [25] رضي الله عنه ثم انتشرت الخلافات السياسية ، وانتشر معها الكذب نُصرة لطائفة أو خليفة ونحو ذلك .

2 -الخلافات المذهبية ، فقد أدّت الخلافات المذهبية إلى وضع الأحاديث ، حتى أن رجلاً كان من أهل الأهواء ثم تاب فقال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسنا شيئا جعلناه حديثا. [26]

3 -الزندقة والطعن في الإسلام ، فقد أدرك الزنادقة وأعداء الإسلام أن قوة الإسلام لا تُقاوم ، فلجئوا إلى وضع الأحاديث التي تُنفّر الناس من الإسلام ، وتُشكك المسلمين بدينهم .

4 -القصص والوعظ ، فقد كان لديهم حرصا شديدا على ترغيب الناس أو ترهيبهم ، فما يجدون من يتحرّك إلا إذا وضعوا لهم الأحاديث في ذلك .

5 -الوعظ والتذكير ، فقد وضع أحد الوضاعين - وهو ميسرة بن عبد ربه - حديثاً في فضائل سور القرآن ، ولما سُئل عن ذلك قال: رأيت الناس انصرفوا عن القرآن ، فوضعتها أرغّب الناس فيها !

6 -التكسّب وطلب المال ، فيضع الوضّاع الحديث الغريب الذي لم يسمعه الناس ، ليُعطوه من أموالهم .

حدّث جعفر الطيالسي فقال: صلى أحمد ابن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة ، فقام قاصّ فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال لا اله إلا الله خلق الله من كلمة منها طيراً منقاره من ذهب وريشه من مرجان- وأخذ في قصة نحو عشرين ورقة - فجعل أحمد ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إليه وهما يقولان: ما سمعنا بهذا إلا الساعة ! فسكتا حتى فرغ من قصصه وأخذ قطعة دراهم ثم قعد ينتظر ، فأشار إليه يحيى فجاء ، فقال يحيى: من حدثك بهذا الحديث ؟ فقال الكذّاب: أحمد وابن معين ! فقال: أنا يحيى وهذا أحمد ! ما سمعنا بهذا قط ، فإن كان ولا بُدّ من الكذب فعلى غيرنا !! فقال: أنت يحيى بن معين ؟!! قال: نعم . قال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق !!! وما علمت إلا الساعة !! كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما ؟!! كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين !! قال: فوضع أحمد كمّه على وجهه ، وقال: دعه يقوم . فقام كالمستهزئ بهما !!

7 -العصبية للجنس والقبيلة أو اللغة والوطن ، فقد وُضِعت الأحاديث في فضل العرب ، وفي فضل بعض البلدان أو ذمّهم ، ونحو ذلك .

8 -التقرب للحكام والسلاطين ! بما يوافق أهوائهم ، كما فعل غياث بن إبراهيم النخعي الكذاب ، فقد وضع حديثاً في فضل اللعب بالحَمَام !

وذلك أنه دخل على المهدي ، وكان المهدي يُحب اللعب بالحَمَام ، فقيل لِغياث هذا حدّث أمير المؤمنين . فجاء بحديث: لا سبق إلا في نصل أو خفّ أو حافر - ثم زاد فيه - أو جناح !

فأمر له المهدي بصرّة ، فلما قام من عند المهدي قال المهدي: أشهد أن قفاك قفا كذّاب ! فلما خرج أمر المهدي بذبح الحَمَام !

9 -المصالح الشخصية أو قصد الانتقام من شخص أو فئة مُعيّنة ، فقد جاء ابنٌ لسعد بن طريف الإسكاف يبكي ، فسأله عن سبب بكاءه ، فقال: ضربني المعلّم . فقال سعد: أما والله لأخزينهم ! ثم وضع حديثا قال فيه: معلموا صبيانكم شراركم ...

10 -قصد الشهرة ، والتميّز على الأقران ، وهذا ما يفعله الذين يُريدون أن يُذكروا بعلوّ الإسناد ، أو كثرة الشيوخ ونحو ذلك ، فيُركّبون بعض الأحاديث ويضعونها لأجل ذلك .

الباب الثاني:

جهود العلماء في مقاومة الوضع

إن من ينظر إلى الكم الكبير من الأحاديث الموضوعة المبثوثة في بطون الكتب، وتتداولها ألسن الناس اليوم، قد يتساءل ماذا كان موقف العلماء تجاه هذه الأحاديث الموضوعة ، وقد اختلطت بالأحاديث الصحيحة ؟! وهو تساؤل في محله ،فقد عُرضَ على الإمام عبد الله بن المبارك فقيل له: هذه الأحاديث الموضوعة ؟؟ فقال: تعيش لها الجهابذة [27] {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظن} [28] وصدق الله العظيم فقد قيض لهذه الأمة رجالاً أمناء مخلصين، قاوموا الوضع والوضاعين وتتبعوهم، وميزوا بين الصحيح والسقيم، وبذلوا جهوداً جبارة في سبيل حفظ الشريعة وأصولها.

ونستعرض هنا جزءاً مما بذله علماءنا الإجلاء في مقاومة الوضع والتصدي للوضاعين:

الفصل الأول: جمع الأحاديث الثابتة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت