كانت الأحاديث الثابتة مدونة في صدور الرجال ومسطرة في بطون الكتب، وكانت تلك الأحاديث وأولئك الرجال منتشرين في أنحاء العالم الإسلامي، وحين برز قرن الفتنة وظهرت معها طلائع الموضوعات ثم انتشرت وتكاثرت، خاف الغيورون على السنة من علماء الإسلام، فأسرعوا إلى الصحابة يسمعون عنهم ويستفتونهم، كما سارعوا إلى بطون صحفهم يستظهرونها.
وحين زاد تيار الوضع وطغى، وأخذت الزنادقة ومن لف لفهم يكتبون الموضوعات ويدسونها في الصحاح، ظهرت فكرة جمع الحديث في طبقة الإمام الزهري ومن بعدها كابن جريج وسفيان الثوري ومالك [29] ، فدونوا الحديث على الهيئة التي وجدوه عليها، ثم بحثوا عن أحوال الرواة، فأسقطوا ما يعرفون أنه موضوع، فقد كانوا - كما قال أبو داود - يجتهدون غاية الاجتهاد فلا يتمكنون من الحديث المرفوع المتصل إلا من دون ألف حديث [30] .
ومن أشهر تلك الكتب وأولها موطأ الإمام مالك الذي يقول عنه الشافعي:"ما على أديم الأرض بعد كتاب الله - كتاب أصح من موطأ مالك" [31] .
ثم جاءت من بعدهم طبقة أخرى انتهجت جمع الأحاديث النبوية على طريقة المسانيد، فجمعت ما يروى عن الصحابي في باب واحد رغم تعدد الموضوع، ونقت الحديث من أقوال الصحابة وفتاوى التابعين - بخلاف الطبقة السابقة - ومن هؤلاء: بقي بن مخلد وإسحاق بن راهوية، وأحمد بن حنبل الذي انتقى مسنده المشهور - كما يقول - من 750 ألف حديث [32] ، ومن هذا يتبين لنا ما كانوا يكابدونه من جهد في جمع الأحاديث، لكنهم في طريقتهم يمزجون الصحيح بغيره من حسن وضعيف.
فجاء من بعدهم من قام بالعبء العظيم وأفرد الصحيح في كتاب مستقل، وهما الإمامان الجليلان البخاري ومسلم، فقد كان البخاري يحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح [33] ، وكذلك مسلم، فقد صنف صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة [34] ، وبعد أصحاب المسانيد والصحاح تتابعت عقود السنن تترى من أبي داود والنسائي والترمذي.. وغيرهم، وبهذا تم جمع الحديث وتطهيره من دنس الوضع ومخلفاته.
الفصل الثاني: الاهتمام بالإسناد
أحس علماءنا الإجلاء بالخطر الداهم الذي نشأ مع الوضع، فانتدبوا للمحافظة على السنة واجتهدوا في ذلك، فعنوا بالإسناد واهتموا به، وفحصوا أحوال الرواة بعد أن كانوا يرجحون توثيق من حدثهم، وطلبوا الأسانيد منهم قبل المتون، لأن السند للخبر كالنسب للبشر، ويخبرنا الإمام محمد بن سيرين عن ذلك فيقول:"لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم" [35] ولذا نجدهم يتواصون بالاهتمام بالإسناد والسؤال عنه، يقول هشام بن عروة:"إذا حدثك رجل بحديث، فقل: عمن هذا؟" [36] لأنه إذا أخبر عن الراوي بلسان المقال، فكأنه أخبر عن حال المروي بلسان الحال، وبالإضافة إلى ما تقدم، فقد حثوا العامة على الاحتياط في حمل الحديث، وألا يأخذوا إلا حديث من يوثق به علماً وديناً، فهذا محمد بن سيرين يقول:"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" [37] وقد شاعت كلمته وغيرها في الناس، فأصبح الإسناد أمراً بديهياً حتى عند العامة [38] . ولشدة اهتمام الأمة بالإسناد عده علماؤها من فروض الكفاية، قال الحافظ ابن حجر:"ولكون الإسناد يعلم به الموضوع من غيره، كانت معرفته من فروض الكفاية" [39] .
الفصل الثالث: مضاعفة النشاط العلمي في قواعد الحديث
حين ظهر الوضع في الحديث ضاعف العلماء نشاطهم في الرواية والدراية على حد سواء.
ففي الرواية:
هرعوا إلى من بقي من الصحابة رضي الله عنهم يسألونهم عما يسمعون من الأحاديث وهل قالها النبي صلى الله عليه وسلم أم هي كذب مصنوع، ولحكمة يعلمها الله مد في أعمار بعض الصحابة كعبد الله بن عباس وعائشة وجابر وأنس وعامر بن الطفيل، فساعدوا في حفظ السنة من الضياع، وكذلك فعل الأتباع مع التابعين، يقول الأوزاعي:"كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما يعرض الدرهم الزائف على الصيارفة، فما عرفوا منه أخذنا، وما تركوا تركنا" [40] .
وفي علم الرواية أيضاً: نشأ ما يسمى بـ"الرحلات"فقد قطع الرواة الفيافي والقفار، للتأكد من حديث سمعوه، خشية خطأ الراوي أو تعمده في الزيادة. فهذا جابر بن عبد الله رضي الله عنه يسير شهراً إلى الشام ليسأل عبد الله بن أنيس رضي الله عنه حديثاً سمعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [41] ، وهذا سعيد ابن المسيب يقول:"إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد [42] "ويقول أبو العالية:"كنا نسمع بالرواية عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما نرضى حتى أتيناهم فسمعنا منهم" [43] .
أما علم الحديث دراية:
فقد وضع العلماء قوانين مخصوصة يتميز بها الغث من السمين، وجعلوها قائمة على أصول أسسوها ليبنوا عليها أحكامهم، ومنها: