وأما ما لم يبين حكمه والموقف منه بعينه في الشرع ؛ فإن للمسلم أن يتخذ فيه رأياً يبديه لا يتعارض مع الضوابط العامَّة لإبداء الرأي . وذلك كطريقة تنفيذ ما أمر الله به وسكت عن طريقة تنفيذه، أو ما لم يرد به نص محكم . ولذا كان من القواعد المقررة عند أهل العلم أن (لا اجتهاد في موارد النص ) (11) ، وأن ما عارضالنص فاسد الاعتبار (12) .
الثانية: صاحب الرأي .
ذمَّ الله تعالى من يقول بلا علم، فقال:"وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَيُفْلِحُونَ" [النحل:116] .
قال الشاطبي:"الاجتهاد في الشريعة ضربان: أحدهما المعتبر شرعاً ... والثاني غير المعتبر، وهو الصادر عمن ليس بعارف بما يفتقر الاجتهاد إليه ؛ لأن حقيقته أنه رأي بمجرد التشهي والأغراض . وخبط في عماية، واتباع للهوى، فكل رأي صدر على هذا الوجه فلا مرية في عدم اعتباره ؛ لأنه ضد الحق الذي أنزل الله، كما قال تعالى:"وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم" [المائدة:49] (13) ."
وهذا كما يكون في أحكام الشرع فهو في كل علم، فليس لأحدٍ أن يتناوله بغير إتقان له .
وقد ذم الله تعالى من يتبع الظن:"وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَناًّ إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً" [يونس:36] . وجعل طاعة من يتبع الظن ضلالاً:"وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ" [الأنعام:116] .
فلا بُدَّ أن يكون صاحب الرأي من أهل الخبرة والاختصاص فيما يتكلّم عنه ، وكلام الإنسان فيما يجهله غير مفيد .
والله تعالى أمر بسؤال أهل الذكر دون غيرهم:"فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ" [النحل:43] ، وهذا دليل على أن ما يقوله غير العالم لا عبرة به .
ولذا لما وصف أهل العلم رجال المشورة جعلوا من صفاتهم العلم فيما يُسْتشارون فيه، قال ابن خويز منداد: ( واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب ، ووجوه الناس فيما يتعَلَّق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها ) (14) .
فجعل كلاً يُسْتشار فيما هو مختص به .
وكذا إبداء الرأي لا يسوغ لمن لم يكن مختصاً في فن أن يتكلم فيه، ولذا ذكر الفقهاء أنه يُشرع الحَجْر على المتطبب الجاهل (15) ، فكذلك غير الطب يُمنع مَنْ لم يكن مؤهلاً من إبداء رأيه ؛ إذ لا يوثق برأيه .
فالعالم بالشرع يبين أحكام الشرع وضوابطه في كل أمر وتصرّف، لكن ليس له أن يصف العلاج المركَّب للمرضى إلا إذا كان مع ذلك طبيباً .
والمهندس له أن يتناول أموراً هندسيَّة بالرأي لكن الفتوى إنما تناط بالعالم بالشرع فقط .. وهكذا .
والسبب في هذا أن الرأي المعتبر هو المبني على العلم والتثبت، وأما ما لم يُبن عليهما فهو محض ظن لا يغني عن الحق شيئاً، ومعلوم أن للخيالات والأوهام رواداً لا يعبأ بهم في مجال الفكر، ومن هنا كان أهل العلم لا يعتبرون بكل خلاف حتى قيل:
وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظر
وإذا أريد قياس الرأي ومعرفة مكانته استند الناظر إلى ما استمد منه ؛ هل هو العلم والتثبت، أو بني على المصالح الشخصية والعصبيات الجاهلية ومحض الهوى ؟
وقد قرر أهل العلم أدلة يُبنى عليها الحكم الشرعي، وطرقاً للاستدلال والترجيح فيها توصّل للمطلوب، وإذا راعى أهل العلم ذلك في الأحكام الشرعية ؛ فهو تنبيه على اعتبار المنهج نفسه في سائر معمولات الذهن، فلا بد أن تُبنى على دليل معتبر، ولا بد من مراعاة طرق الترجيح بين الآراء .
وكما يُشترط لإبداء الرأي: القدرة على ذلك، والتأهل له، واستناده على ما يعضده ؛ فإنه يُشترط فيه أيضاً: إرادة الحق والخير، وهذا من معنى الإخلاص وحسن الإرادة التي هي مناط خيريّة العمل وصلاحه وقبوله .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: » وسبب الفرق بين أهل العلم وأهل الأهواء مع وجود الاختلاف في قول كل منهما: أن العالم قد فعل ما أمر به من حسن القصد والاجتهاد .. بخلاف أصحاب الأهواء فإنهم:"إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ" [النجم:23] ، ويجزمون بما يقولون بالظن والهوى، فلم يصدر عنهم من الاجتهاد والقصد ما يقتضي مغفرة ما لم يعلموه، وكانوا ظالمين كالمغضوب عليهم، وجاهلين كالضالين .
فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق وقد سلك طريقه ، وأما متبع الهوى المحض فهو من يعلم الحق ويعاند عنه، وثَمَّ قسم آخر وهو غالب الناس، وهو أن يكون له هوى، وله في الأمر الذي قصد إليه شبهة ، فتجتمع الشهوة والشبهة .