فهرس الكتاب

الصفحة 2915 من 3657

فالمجتهد المحض مغفور له أو مأجور، وصاحب الهوى المحض مستوجب للعذاب، وأما المجتهد الاجتهاد المركب على شبهة وهوى فهو مسيء، وهم في ذلك على درجات بحسب ما يغلب « (16) .

الثالثة: مراعاة مآل الرأي .

إنَّ إبداء الرأي الذي يستند لأصل ولا يخالف الشريعة، وإن كان في أصله مباحاً، قد ثبت الإذن بإبدائه بحسب الأصل، غير أنه في بعض الأحوال قد ينجر عنه في مآله من الأضرار والمفاسد ما ينافي مقصد الشرع في المصلحة والعدل ، فتكون الآراء المباحة أو المشروعة مؤدية إلى خلاف مقاصدها .

ويحدث ذلك بسبب عدم التبصّر بمآلات التصرّفات والآراء والأقوال، أو سبب الباعث السيئ عند متعاطيها . وسواء كان الباعث فاسداً أو صالحاً فإن مجرد مفسدة المآل، والنتيجة السلبيّة للرأي ؛ يجعل الرأي رأياً مذموماً واجب الكتمان .

فهذا معيار توزن به الآراء والاجتهادات، وهو مدى كون آثارها محقِّقة لمقاصد الشرع أو مناقضة له، قال الشاطبي: » لما ثبت أن الأحكام شُرعت لمصالح العباد كانت الأعمال معتبرة بذلك ؛ لأنه مقصود الشارع فيها، فإذا كان الأمر في ظاهره وباطنه على أصل المشروعية فلا إشكال، وإن كان الظاهر موافقاً والمصلحة مخالفة فالفعل غير صحيح وغير مشروع ؛ لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها وإنما قصد بها أمور أخر هي معانيها، وهي المصالح التي شُرعت لأجلها، فالذي عمل من ذلك على غير هذا الوضع فليس على وضع المشروعات « (17) .

ومن هنا نشأت قاعدة: ( سد الذرائع المفضية للفساد ) ، ومقتضاها تحريم أمر مباح لما يفضي إليه من مفسدة .

وامتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين دفعاً لمفسدة تحدُّث الناس بأن محمداً يقتل أصحابه ؛ فرد من أمثلة هذه القاعدة .

وعليه ؛ فإنه لا يسوغ لصاحب رأي ولا لمفت أو مفكر أن يقرر رأياً مهما كان صواباً إذا ترتب على ذلك مفسدة أعظم، أو كان مثيراً لفتنة .

فالذي ينتقد بعض كتب علماء أهل السنة، ويقرر أن فيها تقريرات غير معصومة ؛ فهو وإن قرر حقاً إن أظهر رأيه في زمن تشرئب فيه الفتن وتظهر البدع فقد ناقض هذا الأصل . وإذا حوّل إنسان دين الله تعالى ليكون وجهة نظر تُعرض إلى جانب وجهة نظر أخرى مخالفة ؛ فإنه، وإن تذرّع باستمالة المعارضين للإسلام، قد أعطى مُعارِض الشريعة شرعية وقدم مساواة مع الإسلام (18) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: » على المفتي أن يمتنع عن الفتوى فيما يضر بالمسلمين ويثير الفتن بينهم، وله أن يمتنع عن الفتوى إن كان قصد المستفتي كائناً من كان نصرة هواه بالفتوى وليس قصده معرفة الحق واتباعه « (19) .

ومراعاة مآل الرأي يتضمن ملاحظة الوقت الذي يُبدي فيه الرأي، ومدى تعلّق أهل الفساد به، وهل يفهمه من خوطب به على وجهه أم لا .

وفي أخبار الصحابة وقائع تؤكد استشعار الصّحابة - رضي الله عنهم - لهذا الأصل، فعن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: » إن فلاناً يقول لو قد مات عمر بايعتُ فلاناً .

فقال عمر: إني قائمٌ العشيّة في الناس فمحذرهم هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم . قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإنهم الذين يغلبون على مجلسك إذا قمت في الناس ؛ فأخشى أن تقول مقالةً يطير بها أولئك فلا يعوها، ولا يضعوها على

مواضعها، ولكن حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسُّنة، وتخلص بعلماء الناس وأشرافهم، فتقول ما قلت متمكناً، فيعون مقالتك ويضعونها مواضعها . فقال عمر:

لئن قدمت المدينة صالحاً لأكلمن بها الناس في أول مقام أقومه . فلما قدم المدينة قام على المنبر فكان مما قال: فإني قائل مقالةً من وعاها وعقلها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومَنْ لم يعها فلا أحل له أن يكذب عليَّ « . ثم ذكر قصة بيعة أبي بكر (20) .

الرابعة: لا يسوغ الإلزام بما هو من موارد الخلاف .

المسائل في شريعة الإسلام منها ما هو قطعي محكم ؛ فهذا ثابت الحكم لا يتغيّر بتغير الزمان والمكان، ومنها مسائل الاجتهاد وموارد الخلاف التي لم يحسمها نص قاطع، ولم يثبتها دليل ظاهر ؛ فليس فيها نص شرعي ولا إجماع قطعي ، فهذه يحكمها اجتهاد المجتهدين المؤهلين، فيختار المجتهد منها أظهرها عنده .

فأما القسم الأول: فإن الناس ملزمون بالسير على وفقها التزاماً للشرع ، واتباعاً له، ولا يسوغ مخالفته كما سبق .

وأما الثاني: فهي منوطة باجتهاد المتكلم متى كان أهلاً فيتكلم فيها بالبينات والحجج العلمية، لكنها ليست مورداً للإنكار ولا محلاً للمفاصلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت