بهذه الخطبة أوجز النبي - صلى الله عليه وسلم - كلامه، وأوتي في كل حديثه جوامع الكلم, واختصر له الكلام اختصاراً, ومع أهمية هذه الخطبة وتاريخيتها ودورها في فجر هذا الدين الإسلامي؛ فإنها لم تتشعب في التفاصيل, ولم تسهب في الشرح، فهي خطبة عظيمة لعظم المعنى الذي تحمله، والألفاظ التي عبّرت عن هذا المعنى، وجزالة الحرف، وصدق اللهجة, وشرف الموقف.
ومثل ذلك كانت خطبه صلى الله عليه وسلم، ولقد تعجبت يوم اطلعت على كتب السنة المعروفة؛ كالصحيحين, والسنن وغيرها, فلم أجد تلك الخطب الطويلة، والأحاديث المسهبة، وما يمكن وصفه بالطول تجد أن له متعلقاً بقصة أو معركة، فخطبته - صلى الله عليه وسلم - كلمات معدودة، لكنها تمتاز بخصائص نموذجية عالية مثل (الشمولية) في المعالجة للموضوعات المختلفة في شتى شؤون الحياة والعلم والدعوة, والسياسة والفقه, والعسكرية والإيمان؛ فهي ليست وعظاً محضاً مجرداً، بل يمتزج فيها الترغيب بالترهيب، والقصة بالعبرة، والحدث بالتحليل، والماضي بالحاضر بالمستقبل، وقضايا الإيمان واليقين بمسائل التشريع والتوجيه والتربية.
في لغة سهلة قريبة يفهمها الجميع، ولم تكن خطاباً خاصاً موجهاً للنخبة أو العلية، ولا لشريحة معينة؛ فالصغار والبسطاء والعامة مخاطبون بشكل مباشر, ولهم أهميتهم وقدرهم في خطاب لا تستهلكه الأحداث عن التوجيه والتربية العامة، كما لا يغيب عنها طرفة عين، كيف؟ وهو الصانع الرئيس لأهم الأحداث عليه السلام، والمشارك الأساس للناس في همومهم ومعايشة أدق التفاصيل في حياتهم.
ومن أعمق الملاحظات في وصف خطبه - صلى الله عليه وسلم - القول بأنها لغة (حوارية) ؛ ممتلئة بكل أشكال تفاعل الناس والتفاعل معهم، والكثير الكثير من خطبه تجد أن أحداً يقوم فيسأل, وآخر يقوم فيستشكل، وثالث يشكو, ورابع يحكي..
وفي الصحيحين - فقط - من ذلك شيء عجيب, مثل حديث أنس, حينما كان صلى الله عليه وسلم يخطب, فدخل رجل فقال: يا رسول الله ألا تستسقي لنا؟!
فاستسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقاهم الله, ثم في الجمعة القادمة دخل رجل؛ فقال: يا رسول الله: ادع الله أن يمسكه عنا (أي: المطر) .
ففعل صلى الله عليه وسلم، فأمسكه الله.
وفي خطبة عيد الأضحى, قام أبو برزة فقال: يا رسول الله إني ذبحت عناقاً.. إلخ وما أكثر الذين يقومون أو يدخلون من باب مسجده؛ فيسألونه وهو يخطب.
ومن ألطف هذا التفاعل نزوله - صلى الله عليه وسلم - من منبره وقد أَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ - رضي الله عنهما - عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ, فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا, فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ ثُمَّ قَالَ: (صَدَقَ اللَّهُ {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ) . ثم أكمل خطبته. كما عند أهل السنن وأحمد.
وهو صلى الله عليه وسلم بدوره كان يسأل ويوجّه, ويقيّم الذين لم يؤدوا تحية المسجد، ليعلم الناس أن هذه الخطب النبوية الشريفة تعايش واقع الناس, وتفهمه, وتوجهه إلى أرشد سبيل وأقوم نهج, بأسلوب علمي وعملي, دون أن تلحقه آفات التجريد والتنظير التي شغل بها بعض المعاصرين، أو سيئات التحزب والتصعيد التي فتن بها آخرون, وطريق الاعتدال هو بين الغياب عن هموم الناس وأحداثهم وبين أن تستهلكه مجموعة من الأحداث التي تفقده توازنه وتماسكه.
وأذكر لمّا دخل النظام البعثي الكويت صليت الجمعة مع أحد الخطباء، وكان الناس ينتظرون توجيهه حول الحدث والتعليق عليه، لكن فوجئت وفوجئ المستمعون بأنه كان يتحدث عن عذاب القبر, ولا أحد يقلل من قيمة الحديث عن ذلك, ولكن الموقف كان يستدعي نوعاً من الكلام المختلف، يتطلب شيئاً من التوعية والإضاءة للناس، فلو تكلم عن الإيمان أو التوكل أو الصبر أو أي شيء قريب من ذلك يمكن ربطه بالحدث؛ لكان أقرب إلى عقول الناس وحديثهم.
إن على من يريد توجيه الناس وإصلاحهم وبث الوعي الإيجابي ودعوتهم للإسلام أن يطالب نفسه باستخدام لهجة يفهمها الناس ويعرفونها، واستعمال أسلوب يتعاطى مع حسهم قبل أن يصف الناس بقلة الفهم وانحطاط الوعي والإدراك، وقبل أن يصفهم بالبعد عن الدين والعلم. إن اللغة السهلة القريبة الرقيقة هي جسر التواصل بين الخطباء والناس؛ فتأهيل الخطيب بفقه عام لأحوال الناس ولغتهم بُنْيةٌ أساسية لتحقيق فهم الناس للخطبة أولاً، وتفاعلهم واستجابتهم لها ثانياً، وهذا التأهيل أو قريب منه هو الذي اعترف به قوم صالح لنبيهم صالح عليه السلام، حين قالوا عنه: {يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} (سورة هود:62) ، لقد كان (مَرْجُوًّا) لأنهم يعرفونه, وعاش معهم لحظات الوجود أولاً بأول، فكان خطابه محرجاً للجميع؛ لأنه جاء بالحق والدين والإيمان في واقع يعرفه جيداً, ولأناس هم قومه الذين عرفهم وعرفوه فكان (مَرْجُوًّا) فيهم.