يجب ألا يغيب عن بالنا لحظةً ما ورد في القرآن الكريم حول موقف النصارى من الإسلام والمسلمين، ومن ذلك قول الله عز وجل ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبعَ ملتهم) [البقرة:120] وقوله تعالى ( يُرضُونكم بأفواههم وتأبى قلوبُهم) [التوبة:8] (قد بدت البغضاءُ من أفواههم وما تُخفي صدورُهم أكبر) [آل عمران:118]
إنّ جهود التنصير في محاربة الإسلام وأهله قديمة، وقد اتخذت عدة أشكال منها: العسكري،و الفكري، والثقافي، والاجتماعي. أمّا الفكري والثقافي فقد بدأ منذ وقت مبكر حين ظهر"يوحنا الدمشقي"يناظر المسلمين ويطعن في الإسلام ومعتقداته. واستمر النصارى يكتبون الكثير حول الإسلام، حتى إنّ الإنتاج الفكريّ في العصور الوسطى (الأوروبية) كثرت فيها هذه الكتابات، وكانت على درجة من السوء والتحيّز والتعصّب حتى كتب في ذلك"ريتشارد سوذرن"كتابه المشهور عن صورة الإسلام في القرون الوسطى، ثم جاء بعده"نورمان دانيال"في كتابه (الإسلام والغرب) وفيه نقد قويّ لما كتبه النصارى حول الإسلام في تلك الفترة.
وظهرت ترجمات لمعاني القرآن الكريم قام بها قساوسة وباحثون أوروبيّون كانت نماذج للحقد والكراهيّة. وقد صرّح الكثيرون منهم أنّهم بحثوا عن أسوأ الأوصاف والنعوت وأطلقوها على الرّسول صلى الله عليه وسلم. ومن نماذجهم القريبة القس البلجيكي- الذي عاش في لبنان-"هنرى لامانس"الذي نعت الرّسول صلّى الله عليه وسلم بشتى النّعوت البذيئة التي لا يليق بعالم أنْ يتلفظ بها لا أنْ يكتبها.
واستمرّت الهجمة على الإسلام والمسلمين وعلى شخصيّة الرّسول الكريم صلى الله عليه وسلم حتى عصرنا الحاضر الذي تنشط فيه الكنائس الغربيّة ومؤسسات التنصير المختلفة، حتى إنّ بابا الفاتيكان الحالي قام بجولة في عدد من دول أفريقيا لتشجيع البعثات التنصيريّة على العمل وحدّد لهم الهدف بأنْ يعملوا على جعل أفريقيا قارة نصرانيّة بحلول العام 2000م، ولكن خاب ظنّه وتخطيطه. وقد مرّت ثلاث سنوات ونصف على هذا التاريخ ومازال الإسلام قوياً في أفريقيا، ويزداد الإقبال عليه. ولعلهم أدركوا استحالة تحقيق هذا الهدف، فغاظهم فقرروا خُطة جديدة لعلها تكون هذه الخُطّة التي نتحدث عنها الآن.
ومثل هذه الحملة ليست مستغربة إطلاقاً ولا جديدة على الفاتيكان الذي حرّض النصارى في القديم على القيام بالحَمَلات الصليبيّة، والذي تعاون مع قوى الاحتلال حديثاً، فلا يستغرب منه مطلقاً أن يشنّ الحملة تلو الحملة ضد الإسلام والمسلمين.
بحكم تخصصكم، ما هي دوافع هذه الحملة ضدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ؟ وهل تنطلق من منطلق دينيٍّ بحت ؟ أم أنّ هناك دوافعَ سياسيةً في الموضوع؟
دوافع هذه الحملة وما قبلها من حملات هو الحقد المتأصل في نفوس النصارى ضد الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومع الدّوافع العقديّة من حقد دفين على الإسلام فهناك الدوافع السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة. فإن كان الأوروبيون يزعمون أن جذور الفكر الغربي هي الجذور اليهودية-النصرانية فإن ما يقف ويقاوم هذه الجذور الفكريّة وينال القبول في أنحاء العالم هو الإسلام؛ لذلك لا بد من الحَمَلات المحمومة التي نحن بصددها وما سيتلوها، والتي لا تخرج أهدافها عن السّعي إلى هدم الإسلام والقضاء عليه، وذلك من خلال تشويه هذا الدين ومعتقداته وشريعته، وتشويه صورة نبيّه عليه الصلاة والسلام. وهذه الحملات تتوجه بالخطاب ليس للنصارى فحسب، ولكن لكل شعوب العالم ومنها الشعوب الإسلاميّة.
أما عن الدوافع السياسيّة لهذه الحملة فأمر مؤكد ذلك؛ لأن الارتباط بين التنصير والاستعمار قديم في حملات الكنائس وارتباطها بالحكومات الغربية. فأوروبا تؤكد على علمانيّتها في الداخل ولكنها تدعم كل نشاط تنصيريّ بالخارج؛ وبخاصة في بلاد المسلمين. وما زلت أذكر الكتاب الذي وفقني الله عز وجل لترجمته حول البعثة"العربية"التنصيرية التي كانت بقيادة صموئيل زويمر وزملائه الأربعة التي وصلت إلى الجزيرة العربية عام 1317هـ (1889م) واستمرت حتى عام 1394هـ (1974) . وكانت هذه البعثة تعمل تحت حماية بريطانيا وأمريكا، حتى إنّ أحد مسؤولي الخارجيّة الأمريكيّة خاطب أحد رؤساء الدول في الخليج العربيّ بفظاظة وقسوة لعدم السماح للبعثات التنصيريّة بالعمل في بلاده!!
وهل هذه الحملة تخدم وتدعم المخطط التنصيريّ ؟ أم أنها تسبب تخريباً له بسبب نفرة المسلمين ممن يتهجّم على نبيّهم ؟