ويشير الكتاب الى أن ردود الأفعال الرسمية على كافة المستويات سواء الاوروبية أم العربية والإسلامية شابها قدر من التناقض مما كان يعكس عمق الأزمة فيما حاولت الأمم المتحدة على لسان أمينها العام كوفي عنان، الإمساك بالعصا من المنتصف، حيث إنه في الوقت الذي أدان فيه نشر الرسوم إرضاءً للعالمين العربي والإسلامي، دافع بشدة عن المساحة المفروضة لحرية التعبير والرأي منادياً بضرورة احترام حرية الصحافة. ثم يعرض الكتاب في إطار هذا الجزء للبدايات الاولى للاحتجاجات على نشر الرسوم.
ويتناول الكتاب بعد ذلك في الفصل الثالث التداعيات السياسية المختلفة للأزمة مشيرا الى أنه في ظل أجواء الغضب الشعبي والاحتقان والتوتر اللذين عما العالمين العربي والإسلامي، صبت بعض الصحف الأوروبية والعربية الزيت على النار، عبر اعادة نشرها لتلك الرسوم، مما زاد من حدة الغضب الجماهيري والرسمي وأدى بالتالي الى تصاعد حدة التظاهرات التي صاحبتها اعمال العنف في أماكن مختلفة من العالم
ويعرض الكتاب في هذا الفصل لتفاصيل تطورات حملة المقاطعة الشعبية العربية والإسلامية للمنتجات الدانماركية وأثر تلك المقاطعة على مسار أزمة الرسوم، في ضوء الإقرار بشرعيتها وتأثيرها القوي على عملية صنع القرار في الدول الغربية، وهو الامر الذي بدت إرهاصاته في التحول الجزئي في موقف الحكومة الدنماركية. ويعرض الكتاب في الفصل الرابع للجهود العربية الإسلامية لاحتواء الأزمة مشيرا الى المبادرات العديدة التي قامت بها هيئات وشخصيات قيادية مسلمة من شتى أنحاء لعالم للدفاع عن صورة الإسلام.
ثم يتطرق المؤلفان بعد ذلك في الفصل الخامس الى نماذج معاصرة من الإساءة للإسلام مشيرين إلى أنه إذا كانت الأزمة الحالية المتعلقة بالرسوم قد أخذت كل هذه الأبعاد المتعددة المعقدة والمتشابكة وأثارت كل هذه التداعيات بما يجعلها مرحلة فاصلة جديدة في علاقات العالم الإسلامي مع الغرب، فمما قد يكون من نافلة القول الإشارة الى أنها لا تعد الأولى في مجال الإساءة الى الإسلام أو الى الرسول ، وأن الاختلاف يتمثل في طبيعة الفترة التي نحياها بما يجعل من حقيقة تحول العالم الى قرية صغيرة حقيقة لا مراء فيها. وهنا يشيران الى حقيقة أن الأزمة لم يكن لها أن تأخذ الأبعاد التي أخذتها لولا تكنولوجيا الإتصالات المتطورة التي أذاعت الصور عبر العالم.
ويتبنى الكتاب في معرض الحديث في هذا الجانب فرضيتي الجهل والتعمد في الإساءة الى الرسول والإسلام بشكل عام. فالى جانب التفسير الذي يعتمد وجود مساع للإساءة الى الإسلام في الغرب لا يستبعد المؤلفان مبدأ الجهل وكونه يسيطر على قطاع كبير في الغرب بشأن الإسلام والمسلمين مما قد يكون سببا في بعض الأحيان في عمليات الإساءة لهم سواء كأفراد أو مجموعات، الأمر الذي يعني من ناحية أخرى سهولة تمرير الصور النمطية السلبية الى ذهن المواطن الغربي.
وضمن تحليل للأزمة في إطارها الشامل يشير الكتاب الى تشابهها مع أزمتي الروائي البريطاني سلمان رشدي على خلفية روايته آيات شيطانية والكاتبة البنغالية تسليمة نسرين وروايتها"العار"باعتبار أن القاسم المشترك بين هذه القضايا أو الأزمات الثلاث دعوى حرية التعبير التي يرفع لواءها الغرب في مواجهة الكثير من القضايا التي تمثل مجالا للاحتكاك مع العالم الإسلامي او العربي.
ثم يتطرق الكتاب في الفصل السادس الى القضية الرئيسية التي تعد جوهر الازمة من وجهة نظر المؤلفين وهي قضية حرية التعبير ، ويشيران الى أن مفهوم حرية التعبير كان الضحية الرئيسية التي جرى الاعتداء السافر عليها ضمن تداعيات الأزمة ما أعاد الى الذهن نماذج أخرى من تشويه المفاهيم في السياقات الغربية، والتوظيف السياسي لها على غرار مفهوم الإرهاب ونشر الديمقراطية، وثقافة السلام.
ورغم ذلك يشير المؤلفان الى أن الفهم الكامل لأبعاد الموقف الغربي لا يمكن أن يتم إلا مع الأخذ في الاعتبار الاختلاف الثقافي والحضاري هناك عنه في العالم الإسلامي. فلقد وصل الغرب الى مرحلة تاريخية تجاوز خلالها المقدسات الدينية ونزع عنها كل صفات التقديس، بغض النظر عن إنشائه لمقدسات أخرى غير دينية على رأسها محرقة اليهود أو غيرها. وفي ظل هذه الأجواء فإن الأديان أو الأنبياء ليس لهم نفس المكانة التي يحظون بها في العالم الإسلامي، حيث أنه ليس لله أو الأنبياء أو الشعائر الدينية في ثقافة الأوروبيين والأميركيين المهابة نفسها التي يقوم عليها الأمر في ثقافة المسلم.
غير أن المؤلفين يشيران الى أن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال أن هذا الحال يعني حرية الإساءة للأديان، الأمر الذي يعزز في النهاية فرضية أن نشر الرسوم على هذا النحو يتجاوز مقولتي الجهل وحرية التعبير وهما قائمتان في أي الأحوال، الى جوانب أخرى تمثل في أساسها حملة ثقافية سياسية هدفها الإساءة للعرب والمسلمين.