ويتبنى الكتاب الرأي الذي يقر بعدم وجود حرية تعبير مطلقة مهما كان ثمنها ومحتواها، وعلى ذلك يؤكد المؤلفان ضرورة أن يسود الوعي عربيا وإسلاميا بأن قسطا كبيرا من السياسات والممارسات الغربية لا يمكن تفسيره بالحجج والذرائع المعلنة، رغم أهميتها، وأن ذلك لا ينطبق على قضية الرسوم فقط وإنما على الكثير من القضايا التي تعد مثار نزاع في السياسات الدولية والتي تأتي الدول العربية والإسلامية في القلب منها.
ويؤكد الكتاب في هذا الجانب ضرورة الالتزام بالحرية المنضبطة، مشيرا الى أنه على قدر ما بدا من لا مبالاة غربية بنشر الرسوم تحت دعوى حرية التعبير، كانت ردة الفعل في العالم العربي والإسلامي تنطلق من رؤية تلتزم مجموعة من الضوابط الواجب الالتزام بها عند أي حديث عن حرية التعبير سواء انطلاقا من الإطار الإسلامي أم من الإطار الإنساني الذي تحكمه وتنظمه قواعد وقوانين دولية.
وعلى ذلك فقد تمحورت النقطة الأساسية للمعبرين عن الرؤية الإسلامية حول ضرورة التفرقة بين حرية التعبير التي تعني أن يكون الإنسان قادرا على إبداء رأيه في المسائل التي تتباين فيها المواقف وبين الحدود التي لا يكون الأمر فيها متعلقا برأي وتكون تجاوزا لكل الأعراف الخلقية والحضارية.
ويخصص المؤلفان في هذا الفصل جزءا لتفنيد دعوى حرية التعبير مؤكدين على الإزدواجية الغربية في التعامل مع المفهوم .. فالرؤية المتأنية لمواقف الحكومات الغربية وسياساتها تكشف عن لجوئها في أحيان كثيرة الى عدم التقيد بإلزامية المبادئ والثوابت الكونية التي ترفعها عندما تتعارض مع مصالحها واختياراتها الاستراتيجية.
وضمن تفنيد دعوى حرية التعبير يقدم الكتاب جزءا في هذا الفصل للحديث عن مزاعم المحرقة اليهودية مشيرا الى مفارقة أنه فيما يجيز الغرب أن تكون العقائد محلا للجدل والإستهزاء تحت مثل هذه الدعوى نجد أن هذه الحرية مصادرة بشأن قضية محرقة اليهود وتزداد الدهشة في ضوء معرفة أن قوانين صدرت تحرم التشكيك في الرواية التاريخية بشأن المحرقة بما جعل منها قضية مقدسة لا تقبل الجدال.كما يتطرق الكتاب إلى قضية طالبان مع تماثيل بوذا في أفغانستان مشيرا إلى أنها تعد نموذجا آخر على الازدواجية الغربية في المواقف بشأن الرموز الدينية وكذلك بشأن وجود موقف مسبق تجاه قضايا الإسلام.
وفي فصل ختامي وتحت عنوان حصاد الأزمة ومستقبل العلاقات مع الغرب يشير المؤلفان إلى أنها تعبر عن أزمة أشمل وأعمق هي أزمة ثقة تحكم إطار العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب وهي أزمة، حسبما يشير المؤلفان، تضرب بعمقها في التاريخ إلى الحد الذي يعود بها البعض إلى ظهور الإسلام . وجوهر الأزمة حسبما يقرر الكتاب إنما يكمن في عدم التفهم الصحيح من قبل الغرب للمسلمين والإسلام والحكم عليهم من خلال أحكام نمطية مسبقة لم يجر تمحيصها بدقة. فلقد تعاظمت الصور النمطية التي تشكلت في العقلية الغربية في العقد الأخير حتى أصبح مجرد ذكر كلمة مسلم يستدعي الإرهاب والتخلف ورفض الآخر!
ويرجع المؤلفان أسباب تصاعد الأزمة في العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب إلى الأزمات المحورية التي كان لها ومازال تأثيرها السلبي على هذه العلاقات ومن بين هذه الأزمات أحداث سبتمبر وما تركته من صور ذهنية سلبية في الوعيين الغربي والإسلامي، وعلى ذلك ففي ظل أجواء معبأة بحالة التحفز في الغرب وحالة الشعور بالاستهداف في العالم الإسلامي جاءت الرسوم لتعكس الأجواء السلبية الحونة بالتوتر وبرائحة العنصرية التي سادت لدى بعض الأوساط في أوروبا وأميركا والتي اتخذت إجراءات قانونية وغير قانونية استهدف بعضها مباشرة الجاليات العربية والإسلامية حيث شكلت مرتعا خصبا لنزعات الكراهية والعداء للآخر وعدم التسامح والتي تعاظمت إثر تفجيرات 11 سبتمبر.
وقد انعكس تصاعد هذا القلق وانعكس في انتشار مفهوم"الإسلاموفوبيا"والذي يمثل أبلغ دلالة على الموقف العام في الغرب تجاه العرب والمسلمين حيث يعكس بشكل عام انتشار نزعة العداء للمسلمين.
وعلى نفس المنوال يشير المؤلفان إلى أنه إذا كانت أحداث سبتمبر أحيت نظرية صدام الحضارات التي طرحها صموئيل هنتنجتون في إطار البحث عن الإجابة السهلة بشأن كراهية المسلمين للغرب فإن قضية الرسوم أعادت إلى الحياة مرة أخرى نفس النظرية التي رأى البعض أنها يمكن أن تفسر ما يحدث من أفعال وردود أفعال من قبل طرفي الأزمة خاصة في ضوء نظرة البعض لها أنها تعبر عن نوع من الصراع يشبه أو يمثل تكراراً لتاريخ الحرب الباردة.. وعلى ذلك فقد ساد توجه عام يعبر عن قدر من الحقيقة يشير إلى أن الأحداث تعد مرحلة جديدة في المعركة التاريخية بين الإسلام والغرب رغم الانتقاد الذي يلقاه هذا التفسير من تصويره لوجود معركة مستمرة يتم توصيف أي حدث انطلاقا منها.