فهرس الكتاب

الصفحة 2962 من 3657

ولعل المنظمات السياسية وعلى رأسها الأمم المتحدة، التي فيها كثير من الأنظمة والقوانين التي يمكن توظيفها للعمل على وقف أي تشويه أو إساءة للأديان والمعتقدات ولعل منها ذلك القرار الذي يدعو إلى مناهضة تشويه الأديان في العالم.

وتفعيل مثل هذا القرار وغيره من القرارات، أو السعي المؤسسي مع مثل هذه الهيئات لاستصدار قرارات مشابهة، يجعلنا في منأى إلى حد ما عن كل شائنة يقذف بها ديننا ونبينا وقيمنا بين الفينة والأخرى.

ولعله لا يفوتني أن أذكر في هذا المقام أهمية أن تستفيد الحكومات والمؤسسات الإسلامية من هذه الهبة الشعبية الغاضبة لتكون وسيلة من وسائل الضغط على المؤسسات والحكومات الغربية لتحقيق مزيد من الحقوق للمسلمين وألا تمر ثورة الشعوب الإسلامية على الحكومات والمؤسسات الإسلامية مرور الكرام.

بل تستثمر هذه الأزمة لاستصدار القرارات والأنظمة والمواثيق التي تحمي من الاعتداءات على الأديان والمقدسات وتستثمر كذلك ببرامج عملية مؤسسية تُعرف الغرب بالإسلام ونبي الإسلام وآداب الإسلام.

الوقفة الثانية:

العاطفة أمر في غاية الأهمية، وهي الروح التي تسري في الأجساد، والدماء التي تسيل في العروق، وهي المحرك لكثير من الأعمال والأفعال، ولكن المهم أن تكون العاطفة التي قادتنا لنصرة الحبيب صلى الله عليه وسلم عاطفة متزنة حكيمة غير متهورة، راشدة لا طائشة، تحسب لأعماله وتخطط لأهدافها، ولذا كان من الأهمية بمكان توجيه هذه العواطف التوجيه الأمثل، وإرشادها نحو العمل الصحيح وعلينا أن ننأى بأنفسنا عن كل ردة فعل غير مسؤولة، وأن تكون غيرتنا لرسولنا صلى الله عليه وسلم منضبطة بضابط الشرع، ملتزمة النهج المحمدي، والهدي النبوي، سائرة في ركاب العلماء، آخذة بتوجيهات الحكماء والصلحاء، مما يعكس سمو هذا الدين، وسمو هذه الرسالة، ورقي اتباع هذا النبي العظيم صلوات ربي وسلامه عليه الذي أوذي عليه الصلاة والسلام كثيراً من أعدائه اليهود والمشركين والمنافقين، فكانت ردود أفعاله صلى الله عليه وسلم سبباً في إسلام كثير منهم، لذا فمن الأجدر بأتباعه عليه الصلاة والسلام وهم يواجهون هذه المحنة أن تكون ردود أفعالهم ردوداً تتفق مع النهج المحمدي، الذي يمثل الطابع الحضاري في التعامل مع مثل هذه الأحداث فلا إحراق السفارات، ولا الاعتداءات على الأشخاص، ولا تخريب الممتلكات من الهدي المحمدي في شيء، بل إن هذه الأعمال تسيء إلى قيمنا الإسلامية، وتبعثر جهودنا وتعكس صوراً غير حميدة عن المسلمين لدى المجتمع الغربي والشرقي على حد سواء الذين بدأوا ينظرون للمسلمين ويتساءلون ما سر هذه الغضبة؟! ومن هذا الرجل الذي غضب لأجله المسلمون؟! وماذا يمثل لدى المسلمين؟! إلى غير ذلك من التساؤلات المراقبة لمجريات الأحداث، وردود الأفعال، فيجب أن تكون عواطفنا لنصرة نبينا صلى الله عليه وسلم سبباً من أسباب نشر شريعته، وبث مبادئه والتعريف بما نحن عليه من قيم وآداب، تجعل المراقب والمتأمل بعقل وعدل وإنصاف ينقاد إلى هذا الدين والإيمان بهذا الرسول العظيم بكل سلاسة ويسر.

الوقفة الثالثة:

الحرية لها إطار معين ونظام تدور في فلكه، حتى يتم حفظ الأمن بجميع أنواعه، وحتى لا تستغل حرية الرأي في الاعتداء على حقوق الآخرين، فتعم الفوضى، وينعدم النظام، وتضيع القيم والأمم، وديننا الإسلامي هو من كفل حرية الرأي وأياً كان الحق في ممارستها، فلا بد أن تكون هناك خطوط حمراء، ونقاط تستوجب الوقوف والتروي وإمعان النظر قبل اجتيازها وإلا ساد العالم شيء من الفوضى العارمة، ونكون ابتعدنا عن المجتمع الإنساني المتحضر، وانتقلنا إلى عالم الغاب وعالم العداء والبربرية؛ لذا كان من المهم معرفة معنى حرية الرأي ومعرفة آلية ممارسة هذه الحرية، وحدود ممارستها، وإلا صارت الحرية تعدياً على الغير وانتهاكاً لحقوقه الدينية والاجتماعية، والثقافية والفكرية والأدبية والنفسية.

فأي حرية رأي تلك التي يتحدث عنها الغربيون اليوم.

أهي حرية الصفاقة والتطاول على المعتقدات الدينية والتجرؤ على الأنبياء والرسل؟!

أم هي حرية السب والشتائم؟!.

أم هي حرية التهكم والازدراء؟!.

أي حرية تلك التي تخترق أقدس المقدسات وأعز ما ينطوي عليه الوجدان، وهو الإيمان بالله وبرسوله وإذا لم يكن في هذه الدساتير الغربية العرجاء الشوهاء، ما يحفظ للمسلم حريته في المعتقد وممارسة شعائره وعباداته، فما هي إذاً حدود هذه الحرية ومعالمها وهويتها؟!

أين هي حرية الرأي لديهم يوم أن أرغم القائمون على المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) لتقديم اعتذارهم الشديد لمجرد أن مجلة المنتدى نشرت مقالاً طالب فيه كاتبه بمقاطعة إسرائيل إلى أن تنتهي من إساءة معاملة الفلسطينيين؟! فأين هي حرية النشر وحرية الرأي في ثقافتهم؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت