فهرس الكتاب

الصفحة 2984 من 3657

لم يكن حزنه لدنياه، ولا لضيق عيشة، ولا لقلة ذات يده، فقد بسطت له الدنيا، وأعطي مفاتيحها، واختار أن يجوع يوماً ويشبع يوماً؛ لكن حزنه وتكدره وضيق صدره لاعراضنا عن رسالته، وحيادنا عن منهجه، وبعدنا عن سنته، وحرصنا منه علينا، وطمعاً في هدايتنا، ورغبة في منفعتنا.. قال سبحانه وتعالى عنه: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} وقال عنه سبحانه: {لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} - أي مهلكها - وقال عنه سبحانه: {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين، إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون} .

فاللهم صل وسلم عليه، وأرفع في عليين منزلته، وآته الوسيلة والدرجة الرفيعة من الجنة، والمقام المحمود الذي وعدته.

كان لكل نبي دعوة مستجابة، دعا بها على أمته، وأهلك الله بها قومه، لعصيانهم وفجورهم وبعدهم عن منهج ربهم وأذيتهم له، لكن نبينا عليه الصلاة والسلام الرؤوف بأمته، الحليم على قومه، الصبور على أذيته، ادخر تلك الدعوة المستجابة ليوم القيامة.. يوم تشتد الكروب، وتعظم الخطوب، ويطول على الناس الموقف، ويأذن الجبار جل جلاله له بالشفاعة العظمى في موقف القيامة لفصل الخطاب، فيكون أول همه، ومنتهى اهتمامه.. مصير أمته، لم يذكر نجاة نفسه، ولا ذريته وأهل بيته، وإنما «أمتي، أمتي» .

فصلوات ربي عليك يا رسول الله ما ذكرك الذاكرون، وما غفل عن ذكرك الغافلون، وما تعدى على جنابك المعتدون.

إن منزلتك في نفوسنا عظيمة، وقدرك في قلوبنا كبير، نفديك بأرواحنا ودماؤنا وأموالنا وأهلينا. فنحورنا دون نحرك يا رسول الله، ودمائنا نقدمها رخيصة للذب عنك يا نبي الله.

لقد وصلت الأمة في هذا الزمان إلى ضحضاح من المهانة تطاول فيه الأدنى على الأعلى، وتجرأ فيه السفيه على العقلاء، وتحدث فيه من لا يفقه فيما لا علم له به ولا قدر له على الثبات عليه.

لم يسلم من جراءتهم مقام الربوبية، ومنزلة الألوهية، فنسبوا لله تعالى الصاحبة والولد، ونعتوه سبحانه بأرذل الأوصاف وأقل المنازل، أوصاف وكلام تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً.

وها هم اليوم أقزام العالم، وأراذل البشرية يتطاولون على مقام النبوة، وحوزة الرسالة، ويطعنون في شخص المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم المنزه عن كل نقيصة في حدود بشريته وخلق الله تعالى له.

صحيح أن تطاول الأقزام على الكبار لا يقلل من شأنهم، وتعدي الحقيرين على مقام العظام لا ينال من شرفهم، لكنه ابتلاء الله تعالى للأمة لمعرفة منزلة نبيهم عندهم، وامتحان من الله تعالى للمؤمنين في الدفاع عن دينهم.

إنه ما كان لتلك الشرذمة أن تنال من مكانة سيدنا، ومقام إمامنا، ومنزلة قدوتنا، عليه الصلاة والسلام إلا حين قصرنا في تعظيمه وإنزاله قدره، وتكاسلنا عن اتباع منهجه، واستحيينا من امتثال سنته، وما كان لهم أن يصلوا إلى هذا الحد من الجراءة لو لا سباق معرفتهم بضعف اتباعه، وخور المدافعين عنه. فلو كان الاعتداء على ملك أو رئيس أو قائد لدولة لقامت قائمة أهل تلك الديار، وثارت ثائرتهم، وحق لهم ذلك، لكن رسولنا أولى أن تسفك من أجله الدماء، وتقطع من أجله العلاقات، وتقاطع من أجله المنتجات، فمحبته عليه الصلاة والسلام ليست حصراً على الملتحين، ولا حجراً على الملتزمين، بل هي واجبة على كل من شهد له بالرسالة، وآمن بدين الإسلام، وأحب الله تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} .

فيا عقلاء العالم.. أوقفوا هذه المهازل، قبل أن تنتج ردود أفعال لا يحمد عقباها، وتحدث حوادث يبكي العالم من لأوائها، وكوارث تضج البشرية من مداها.

ويا قادة العالم الإسلامي، ويا علماءه، ويا تجار المسلمين، ويا كل مسلم.. اليست المبادرة للدفاع عن سيد الأولين والآخرين من أولى أولوياتنا؟ أليست المحبة له ونصرته والذب عنه من أعظم الموازين عندنا؟ فالله الله في القيام بواجب النصرة كما ينبغي، بالحكمة والبصيرة، فهو الذي علمنا: {قل هذه سبيلي أدعو الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} ، والله الله بالتمسك بسنته، وتطبيق شرعه، والرجوع لمنهجه.. وليكن نتاج كيدهم مزيداً من المحبة والاتباع له، وحرصاً على الرجوع إليه، وتعظيماً لشأنه وأمره بيننا.

وعذراً يا رسول الله.. عذراً من تكاسل المتكاسلين، وغفلة الغافلين، وتبعية المنافقين، وضعف أمتك، وقلة حيلتها، وهوانها على الناس، وحرصها على دنياها، وايثارها لأنفسها، وعجزها عن القيام لحماية جنابك وقتال أعدائك.. والله حسبنا ونعم الوكيل.

? عضو هيئة التدريس بكلية الطب - جامعة الملك سعود

3 تعليقات

أي دنيا تحيا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت