فهرس الكتاب

الصفحة 3009 من 3657

وأخرج مسلم أيضاً عن جرير بن عبد الله قال جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الصوف فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة فحث الناس على الصدقة فابطئوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه قال: ثم أن رجلاً من الأنصار جاء بصرة من ورق ثم جاء آخر ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام:"من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة وعمل بها بعده كتب له مثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً"

إذاً من عمل بالسنة وأظهرها دعى الناس إليها بمجرد أنه أظهرها. فإذا عمل إنسان بهذه السنة كان لمن أظهرها أولاً أجر من عمل بها إلى يوم القيامة!

قد يقول قائل: يا شيخ الرسول صلى الله عليه وسلم قال من سن سنة حسنة يعني إنسان يعمل عمل ولو ما جاء في الشرع ولو ما جاء عن الرسول!

أقول لك: لا ،ليس هذا معنى الحديث لأن أهل العلم يقولون إنما يعرف التحسين والتقبيح للأشياء من الشرع فمن أين لك هذا العمل حسن إذا لم يأت من الشرع فمصدرنا أن هذا حسن أو قبيح هو الشرع، يصير معنى الحديث:"من سن سنة حسنة"أي: من أحيا سنة من الشرع ولذلك الحديث ورد في الصدقة أن رجلاً جاء وقدم صدقة فجاء الناس بعده وتصدقوا.

دخل رجل المسجد ولقي فقيراً فخرَّج من ماله شيئاً وأعطاه! فلما رأوه الناس بادروا اقتداء به إلى إعطاء هذا الفقير ومساعدته! كل من عمل إقتداءً به يكون له أجر.فهل الصدقة وإخراجها من السنة التي ثبتت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أم سنة محدثة؟ إنها سنة ثابتة عنه صلى الله عليه وسلم .

ليس في الحديث أن الإنسان يعمل سنة من عند نفسه، لأن حسن السنن إنما يعرف من الشرع وليكن على ذكر منكم قوله صلى الله عليه وسلم"من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".

قال ابن حبان رحمه الله:"إن في لزوم سنته صلى الله عليه وسلم تمام السلامة وجماع الكرامة لا تطفئ سرجها ولا تدحض حججها من لزمها عصم ومن خالفها يذم إذ هي الحصن الحصين والركن الركين الي بان فضله ومتن حبله من تمسك به ساد ومن رام خلافه باد فالمتعلقون به أهل السعادة في الأجل والمغيوطون بين الأنام في العامل".انتهى كلامه .

وبهذا تتم هذه المحاضرة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات . وسبحانك اللهم أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك وصلى الله على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

(1) صحيح ابن حبان (1 / 180)

(2) حديث صحيح، لغيره. وأشار بعضهم إلى احتمال تواتره.

أخرجه أحمد في المسند (4/102) ، و أبو داود في كتاب السنة، باب شرح السنة، حديث رقم (4597) ، والآجري في الشريعة (الطبعة المحققة) (1/132، تحت رقم 31) .وصحح إسناده محقق جامع الأصول (10/32) ، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم (204) ، وذكر جملة من الأحاديث تشهد له. وانظر نظم المتناثر ص32-34.

فائدة: قال ابن تيمية رحمة الله عليه، في مجموع الفتاوى (3/346-347) ، في معرض كلام له على حديث الافتراق:"وأمّا تعيين هذه الفرق فقد صنف الناس فيهم مصنفات، وذكروهم في كتب المقالات، لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة هي إحدى الثنتين والسبعين لا بد له من دليل؛ فإن الله حرّم القول بلا علم عموماً، وحرّم القول عليه بلا علم خصوصاً، فقال تعالى: {قل إنما حرّم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لاتعلمون} [الأعراف:33] ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولاتتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسؤ والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لاتعلمون} [البقرة:169] ، وقال تعالى: {ولاتقف ما ليس لك به علم} [الإسراء:36] . وأيضاً فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظن والهوى، فيجعل طائفته والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع، وهذا ضلال مبين. فإن أهل الحق والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي {لاينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن جعل شخصاً من الأشخاص غير رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدعة والفرقة - كما يوجد ذلك في الطوائف من اتباع أئمة في الكلام في الدين وغير ذلك - كان من أهل البدع والضلال والتفرق"اهـ

(2) أخرجه الحاكم والدار قطني والبيهقي

(3) أخرجه البيهقي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت