فهرس الكتاب

الصفحة 3095 من 3657

لا تزال قضية الإساءة لنبي الإسلام ورمزه الديني الأول محمد صلى الله عليه وسلم هي القضية الأبرز في الحراك الدولي والحراك الشعبي منذ ظهور الرسومات الكاريكاتورية في الصحيفة الدنماركية (اليولاند بوسطن) ، ومع الاعتذارات التي قدمتها كل من الحكومة الدنماركية والصحيفة التي نشرت هذه الرسومات، إلا أن الوضع الإسلامي لا يزال يغلي من الداخل، وما يزال الشعور الإسلامي على أشده، لإحساسه أن الاعتذار قد جاء متأخراً كثيراً، ولإحساسه أيضاً أن هذا الاعتذار كان مقتضباً وغير واضح المعالم مما يوحي باضطرار الحكومة ومعها الصحيفة إلى هذا الاعتذار دون توجه حقيقي من قبلهما يشفي غليل المشاعر الإسلامية التي أساؤوا إليها في رمزها الديني الأعظم.

ولقد نجحت نسبياً المقاطعة الشعبية الاقتصادية التي انتهجتها بعض الشعوب العربية والإسلامية كردٍ سلمي وردٍ حضاري تجاه إساءات الصحيفة وتجاه تواطؤ الحكومة الدنماركية، مما أعاد الاعتبار لنا كمسلمين بين أكثر الدول الأوروبية والغربية بشكل عام، وهذا في رأيي تطور عام في الذهنية العربية، كونها تنتهج السلمية في موازناتها الدولية وصراعاتها الدينية مع من تعتبرهم داخلين في منظومة الصراع الديني كما تحاول بعض الأيديولوجيات قول ذلك وفرضه كجدلية دينية في الحراك السياسي.

ولقد أكدتُ في المقال السابق على ضرورة عدم القيام بعمليات العنف تجاه الآخر بسبب أنه يضر بالقضية التي يحاول بعض المسؤولين وغير المسؤولين من المسلمين التعامل معها بحكمة واتزان حضاري، وبالاعتماد على القوانين الدولية في مثل هذه المواضيع، ويبدو أن ما كنا نخشاه وما حذرنا منه قد حصل في بعض الأطراف، ففي لبنان مثلاً قد تم اقتحام مبنى السفارة الدنماركية وإحراقها، بل.. وتم كسر أحد الصلبان فيها، وأخشى ما أخشاه أن يتفجر الوضع في لبنان فضلاً عن غيرها، مما يجعل حرباً طائفية تلوح في الأفق لو لم يتعقل اللبنانيون المسيحيون، وهنا يكون الطرف الإسلامي الغاضب قد خلق له الأعداء من الداخل والذي كان يتعايش معه تعايشاً يومياً فما بالك بالخارج والغرب المسيحي عامة، والذين نحن بحاجة إلى جلبهم إلى منطقة حقوقنا القانونية في القضية، وخصوصاً بعد أن صرح بعض رجالات الدين المسيحي هناك بحقنا فيها وتعاطفهم معنا، (والحق كما يقولون هو ما شهدت به الأعداء) ، وأفعال العنف المتمثلة بإحراق مبنى السفارة قد تضر بالقضية إن لم تكن قد أضرت بالفعل إلا أن يكون العقل المسيحي في لبنان والعالم أكثر تفهماً، وعلى ذلك فكل المحاولات التي تنتهجها بعض الأطراف الإسلامية معتمدةً على أدبيات القوانين أو الأعراف الدولية في جلب الآخر الغربي خاصة إلى صف القضية الإسلامية قد تذهب مع الريح.

في العالم كله تتصاعد الأصوليات المتطرفة مستغلةً جميع الأوضاع لصالحها، جاعلةً من الحدث فرصةً لتصعيد أصوليتها ورفع صوتها النشاز، واستخدام جميع حروبها الأيديولوجية الفكرية مع الآخر الذي لا يتقاطع معها في الرؤية أو التوجه أو الدين، ولذلك فهي تسعى إلى إشعال فتيل التطرف والإرهاب الفكري والإقصاء الديني. ففي السويد مثلاً بدأ اليمين المتطرف بمحاولة إعادة رسوم كاريكاتورية جديدةً في مسابقةٍ مخصصةٍ لهذا الهدف لتعبث بصورة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الجميلة في أذهان غيرنا، وكإهانةٍ مقصودةٍ لجموع المسلمين، بكل ما تراه نظرتها المتطرفة، وبكل ما تملي عليها أيديولوجيتها الأصولية التي نحن متأكدون أن الكثير من مسيحيي العالم لا يشاركونها هذا التوجه، وهذه الأصوليات لا تعترف بكل القوانين الدولية في عدم الإساءة لأديان، واحترام مشاعر معتنقيها.

وفي عالمنا الإسلامي، كطرف آخر ومعنيٍّ في القضية، فإننا لا نستطيع التغافل عن كل ما تفعله الأصوليات الإسلامية المتطرفة هنا وهناك، حتى بعد قضية الإساءة، وكأنها فقط هي الممثلة الوحيدة للإسلام، فاستغلال هذا الحدث لتبرير تصرفاتهم الخرقاء تجاه كل ما هو غربي جعل الآخر المسيحي في دائرة الاتهام المطلق كونه مخالفا في المعتقد والديانة، وهذا واضح في بعض الرسائل التي يتداولها البعض أحيانا عشوائية أو غير عشوائية على الهاتف الجوال، وفي هذه الرسائل من مقومات الخطاب المضمر والهامشي وكل أدواته ما يجعلنا نقرها في هذا التحليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت