اسأل البوذيين ماذا يعرفون عن بوذا وما أخلاقه؟ وما علاقاته مع أسرته فقط؟ فلن تجد جواباً.
واسأل النصارى عن عيسى عليه السلام، ماذا يعرفون عنه قبل النبوة؟ والتي يحددونها بثلاثين عاماً وبعد النبوة ثلاثة أعوام، وكيف العلاقة بينه وبين أمه، أو بينه وبين ربه الذي يزعمون بنوته له؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، فلن تجد عند جميع هؤلاء أي جواب، بل ستجد الدهشة بادية على وجوه جميع من تسأله من عالم [11] .
رابعاً: كمالها بلا عيب أو نقص أو ضعف أو خلل، قلِّب بصرك وعقلك في ثنايا السيرة النبوية الشريفة هل ثمت شيء تنتقده، أو عيب تجده.
® إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقض وقته بين أحبابه وأصحابه، بل قضى أغلب عمره بين ألد أعدائه وهم المشركون، وفي آخر عمره كان يجاوره اليهود والمنافقون، فلم يستطيعوا أن يرموه بنقيصة في أخلاقه وشمائله وصدقه، على الرغم من حرصهم الشديد بالبحث والتنقيب عنها، فقد رماه أهل مكة بالألقاب السيئة وعيَّروه بالأسماء القبيحة، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقدحوا في شيء من أخلاقه، أو يدنسوا عرضه الطاهر رغم إنفاقهم أموالهم وإزهاقهم أرواحهم في عدائه، قال تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام:33) .
وقد أخرج البخاري عن ابن عباس في صعود النبي صلى الله عليه وسلم الصفا لتبليغ الناس حيث قال: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلاَّ صِدْقاً» [12] .
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: «إن أول يوم عرفت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل: «يا أبا الحكم هلمَّ إلى الله ورسوله، إني أدعوك إلى الله» فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أن قد بلغت؟ فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق ما تبعتك! فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عليَّ فقال: والله إني لأعلم أن ما يقول حق، ولكن بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم، قالوا: فينا الندوة، قلنا: نعم، قالوا: فينا اللواء، قلنا: نعم، قالوا: فينا السقاية، قلنا: نعم، ثم أطعموا، وأطعمنا، حتى إذا تحاكّت الرُّكَب قالوا: منا نبي! فلا والله لا أفعل» [13] .
وقصة الوليد بن المغيرة لما اجتمعت قريش في الموسم للاتفاق على كلمة واحدة يختلقونها في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم -كما سيأتي- دليل صريح على حرصهم على الوقيعة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبحث والتنقير عن أي نقيصة أو عيب ولكن أنى لهم ذلك، فراحوا يختلقون عليه من عند أنفسهم دون حياء.
® جل العظماء حالتهم مع الناس غير حالتهم مع أهلهم وفي بيوتهم، ولا يرضون لزوجاتهم أن تخبر عن أحوالهم، بل تعتبر حياتهم الخاصة سراً من الأسرار يعاقب على إفشائها، وكل الناس كذلك لا يرضون أبداً أن يطلع أحد على كثير من حياتهم الأسرية الخاصة.
ما عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو لم يرض فقط بل أمر أن ينقل عنه كل شيء، فبلغ عنه أزواجه كل ما رأوه منه، حتى إنها لتبلغ عنه ما كان تحت اللحاف فيما بينه وبينها، وعن غسلها معه من الجنابة، حتى إن الرجل ليعرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما يعرفه عن أبيه الملاصق له والساكن معه!
خامساً: شمولها لجميع نواحي الحياة مع الوضوح التام فيها.
لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم بين صحابته وتزوج بتسع نسوة، وأمر أن يبلغ الشاهد منهم الغائب، وقال: «بلغوا عني ولو آية» [14] وقال: «نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع» [15] وما سافر وحده قط، ولا اعتزل الناس في يوم من الأيام أبداً، وقد تضافر الصحابة على نقل كل شيء عنه، بل تفرغ عدد منهم للرواية والمتابعة له كأهل الصفة.
لقد وصفوه في قيامه وجلوسه، وكيف ينام، وهيئته في ضحكه وابتسامته، وكيف اغتساله ووضوؤه، وكيف يشرب ويأكل وما يعجبه من الطعام، ووصفوا جسده الطاهر كأنك تراه، حتى ذكروا عدد الشعرات البيض في رأسه ولحيته، ولمحة في كتاب من كتب السيرة والشمائل تجد العجب من هذا الشمول وهذه الدقة في الوصف والنقل ( [16] ) .
سادساً: أنها بعمومها لم تتعد القدرة البشرية، أي أنها لم تتكئ على الخوارق، أو قامت فصولها على معجزة من المعجزات خارجة عن قدرات البشر.
بل إنه من السهل التعرف عليها وتطبيقها، والاقتداء بها، فليست مثالية التطبيق.
مصادر السيرة النبوية:
تعتمد مصادر السيرة النبوية على مصادر متنوعة منها أصلية ومنها تكميلية.