فهرس الكتاب

الصفحة 3140 من 3657

وسبب ذلك أن العلم الحقيقي الراسخ في القلب يمتنع أن يصدر معه ما يخالفه من قول أو فعل، فمتى صدر خلافه فلا بد من غفلة القلب عنه أو ضعفه في القلب بمقاومة ما يعارضه، وتلك أحوال تناقض حقيقة العلم فتصير جهلاً بهذا الاعتبار، ومن هنا تعرف أن دخول الأعمال في مسمى الإيمان حقيقة لا مجاز.

فإذا تبين ذلك فالناس قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم في حال جاهلية جهلاً منسوباً إلى الجاهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل وإنما يفعله جاهل، وتلك كانت الجاهلية العامة، وأما بعد البعثة فمطلق الجاهلية قد يكون في مصر دون مصر، وقد تكون في شخص دون آخر، ولا تكون الجاهلية مطلقة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَزَالُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ» ( [23] ) .

الحالة الدينية قبيل البعثة:

كان الناس في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء، فقد تعرضت الديانات السماوية لانتحال المبطلين وتحريف الغالين، وأصبحت فريسة للعابثين والمتلاعبين، استبدلت عقيدة التوحيد الصافية بالوثنية الغارقة، والاجتراء على الله تعالى والقول عليه بغير حق، والتطاول على الذات الإلاهية، وارتفع الفرق بين أهل الكتاب وبين أهل الأوثان والأصنام في عباداتهم وحياتهم فاختفى نور التوحيد وسط هذا الركام الهائل من الوثنية، والتغيير والتبديل في كلام الله عز وجل قال الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} (التوبة:31) ، وقال سبحانه في وصف حياتهم وتعديهم على حرمات الله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِاليَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة:29) ، وقال سبحانه في بيان تحريفهم لكلام الله واستبداله مقابل الدنيا: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ} (التوبة:9) ، ووصف الله شرك أهل الكتاب وكفرهم بقوله: {وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ} (التوبة:30) .

وأما المجوسية فقد عرفت من القديم بعبادة النار وبناء المعابد عليها، لها يحجون، وعندها ينذرون، هي معبودهم من دون الله عز وجل، ثم آمنوا بإلهين أحدهما النور والآخر الظلمة.

وقل مثل ذلك في البوذية المنتشرة في الهند وآسيا الوسطى، والبرهمية دين الهند الأصلي.

لقد بلغت الوثنية في قرن البعثة أوجها حتى قيل إن عدد المعبودات والآلهة يصل إلى (330) مليون.

وأطبقت ظلمة الوثنية على الأرض من المحيط إلى المحيط.

روى الإمام أحمد عن الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ رضي الله عنه قال: «وَاللَّهِ لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَشَدِّ حَالٍ بُعِثَ عَلَيْهَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فِي فَتْرَةٍ وَجَاهِلِيَّةٍ، مَا يَرَوْنَ أَنَّ دِيناً أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، فَجَاءَ بِفُرْقَانٍ فَرَقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ والْبَاطِلِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ» ( [24] ) .

الحالة الاجتماعية والسياسية:

تبعاً للانحراف العقدي وتحريف الأديان ضلت البشرية في جميع حياتها وانتشر الظلم والفساد بين جميع طبقاتها على اختلاف حضاراتها وأديانها وبلدانها، وسأذكر نماذج ومقتطفات تصف ذلك الانحراف والفساد».

أولاً: الدولة الرومانية:

لقد ازدادت فيها الإتاوات والضرائب التي أثقلت كواهل الشعب، بينما تعيش الطبقة الحاكمة ومن يتابعها حياة الترف والتخمة الزائدة، وتضييع الأموال، والحرص على كل نوع من أنواع اللهو واللعب والطرب، وانشغلوا بالمسليات والألعاب عن مصالح البلاد والعباد، وفتحوا ميادين الرياضة العنيفة كمصارعات الرجال والسباع وغيرها.

وكانت ولاياتها مثل مصر والشام عبارة عن شعوب كادحة للطبقة المستعمرة، حياتها عرضة للاضطهاد والبؤس والشقاء، تسلب خيراتهم وتساء معاملتهم.

ثانياً: الفرس:

فإنه لما ظهر مزدك في القرن الخامس دعا إلى الإباحية في جميع نواحي الحياة وأن الناس شركاء في كل شيء، فظهر الفساد وهتكت الأعراض وانتشرت السرقة والسطو على الأموال والممتلكات، ونشأ جيل لا خلاق له ولا مروءة، اتخذ السطو وسيلة لجلب المال والتسلط على الناس، واستولوا على الأملاك والعقارات حتى أقفرت المزارع وخربت الدور وتشتت الناس.

وقد كان الملوك يعتبرون من نسل آخر مغاير لبني البشر، ففيهم يجري دم الآلهة، فكانوا يخاطبون الناس من علو وأنهم آلهة لهم يتصرفون فيهم كيف شاؤوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت