فهرس الكتاب

الصفحة 3141 من 3657

وتعتبر موارد الدولة كلها ملكاً للأكاسرة إلا ما جاد بها كسرى للشعب تفضلاً منه وكرماً وإنعاماً، وقد تفننوا في اكتناز الأموال والتحف الثمينة، والمسابقة في مظاهر الغنى والعظمة إلى حد الخيال.

بينما عامة الناس يعيشون حياة الفقر والبؤس والجوع، حياة العبودية والكدح للآلهة، يتعبون في تحصيل ما يسد رمقهم، ويستر عوراتهم، جميع إنتاجهم تقضي عليها الضرائب والإتاوات، إضافة إلى أنهم وقود لكل حرب همجية طاحنة يثيرها الملك.

ثالثاً: الهند:

فهي أتعس بلد يعيش تفاوتاً فاحشاً بين طبقات المجتمع مدعماً بالدين والعقيدة، فقد قسم سكان الهند إلى أربع طبقات، هي:

1-طبقة الكهنة ورجال الدين وهم (البراهمة) .

2-رجال الحرب والجندية وهم (شتري) .

3-رجال الفلاحة والتجارة (ويش) .

4-رجال الخدمة وهم (شودر) وهم أحط الطبقات وليس لهم إلا خدمة الطبقات الثلاث، وليس لهم أن يدخروا مالاً، أو يجالسوا برهمياً، أو يمسوه بأيديهم، أو يتعلموا الكتاب المقدس.

وقد أضفيت القداسة على الطبقة الأولى، وهو مغفور له ولو أباد الطبقات الثلاث.

وكانت الهند ممزقة تحكمها حكومات تعد بالمئات، وتسيطر الفوضى على جميع أركانها.

رابعاً: أوربا:

المتوغلة في الشمال والغرب فكانت تعيش حياة الهمجية، وترزح تحت ظلام الجهل والأمية والحروب الدامية، وكانت متخلفة عن طريق الحضارة والعلم والآداب، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر لا شأن لهم بالعالم.

يزهدون في النظافة، تعشعش الهوام فوق رؤوسهم، أجسامهم قذرة، يغالي رهبانهم في تعذيب أجسامهم، يحتقرون المرأة ويبحثون عن أصلها هل هي من الحيوان أم من الإنسان.

وعموم تلك الشعوب قد ألفت حياة الذلة والخنوع، واعتادت على مجاراة الأوضاع ومسايرة الزمان، لا يهيجهم ظلم، ولا تستحوذ عليهم فكرة ودعوة يسترخصون بها حياتهم ويجازفون في سبيلها بأنفسهم.

قد ألفوا التهجين والتدجين ومصادرة الرأي والحريات، فلا يصلح لهم أن يعرفوا شيئاً، لأنهم ليسوا على مستوى المعرفة والإدراك عند حكامهم، فلا يستحق الشعب السؤال عن شيء فضلاً عن إبداء الرأي فيه.

وعلى العموم فكانت البشرية في القرن السادس الميلادي في أحط أدوارها، وأقبح فترات تاريخها، قد تحطمت فيها جميع مقومات البقاء والحياة، فأصبحت تحتضر قد أيس منها المصلحون وهم على قلتهم وندرتهم قد هربوا في الفيافي والقفار فراراً ويأساً منها كما يدل على ذلك قصة سلمان الفارسي رضي الله عنه، فقد كان ينتقل من عالم إلى آخر كل عالم إذا احتضر أوصى به إلى من يعرفه من بقايا العلماء في مختلف المناطق والديار حتى انتهى إلى الأخير منه فقال له: لا أعرف الآن أحداً في هذه الأرض إلاّ أنه حان مبعث نبي داره في كذا وكذا فوصف له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق سلمان إلى المدينة ينتظر مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أقفرت الأرض كلها من عالم أو مصلح ( [25] ) .

خامساً: العرب:

أما العرب فقد تركوا دين أبيهم إسماعيل وابتعدوا عن الحنيفية دين أبيهم إبراهيم، وانتشرت بينهم عبادة الأصنام والأوثان، وغلوا فيها إلى حد يثير السخرية حيث كان الواحد منهم في سفره يجمع أربعة أحجار ثلاثة لقدره وواحداً يعبده، وإن لم يجد حلب الشاة على كوم من تراب ثم عبده.

روى البخاري عن أبي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيَّ رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَراً هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَراً جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنَا بِهِ، فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا: مُنَصِّلُ الأَسِنَّةِ فَلا نَدَعُ رُمْحاً فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلا سَهْماً فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلاَّ نَزَعْنَاهُ وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ، وَسَمِعْتُ أَبَا رَجَاءٍ يَقُولُ: كُنْتُ يَوْمَ بُعِثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غُلاماً أَرْعَى الإِبِلَ عَلَى أَهْلِي، فَلَمَّا سَمِعْنَا بِخُرُوجِهِ فَرَرْنَا إِلَى النَّارِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ» ( [26] ) .

وكان أول من أدخل الشرك إلى العرب عمرو بن لحي الخزاعي.

روى البخاري عن سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ رضي الله عنه قَالَ: «الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ وَلا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَالسَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لآلِهَتِهِمْ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ قَالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرِ بْنِ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ» ( [27] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت