روى مسلم عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ إِنَّ الْبَحِيرَةَ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَأَمَّا السَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السُّيُوبَ» ( [28] ) .
ورواه أحمد في «المسند» أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار» ( [29] ) .
وفي رواية أخرى عنه ولم يذكر: «وعبد الأصنام» ( [30] ) .
® وقد عبد قبائل من العرب الشمس والقمر، والملائكة والجن، والكواكب، وبعضهم عبد أضرحة من ينسب إليهم الصلاح، قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الَّلاتَ وَالعُزَّى} (النجم:19) قال: «كان رجلاً صالحاً يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره» ( [31] ) .
® وكانت العرب تقصد بعبادة الأصنام عبادة الله والتقرب إليه عن طريقها، أو بواسطتها، وهم على طرق مختلفة: فبعضهم يقول: ليس لنا أهلية لعبادة الله تعالى بلا واسطة لعظمته، فاتخذناها لتقربنا إلى الله، وفرقة قالت: إن للملائكة عند الله جاهاً ومنزلة فاتخذنا أصناماً على هيئة الملائكة لتقربنا إلى الله، وبعضهم جعلوا الأصنام قبلة في عبادة الله مثل الكعبة قبلة في عبادته، وفرقة أخرى اعتقدت أن على كل صنم شيطاناً موكلاً بأمر الله، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حاجته بأمر الله، ومنهم من يقصدون بذلك شفاعتهم عند الله زلفى قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللهِ زُلْفَى} (الزمر:3) ، وقال تعالى عنهم: {وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ} (يونس:18) .
® ولم تكن العرب تعتقد في أصنامها النفع أو الضر.
روى الترمذي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قَالَ: قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأبي الحصين: «كم تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهاً؟ قَالَ أَبِي: سَبْعَةً، سِتَّةً فِي الأرْضِ وَوَاحِداً فِي السَّمَاءِ. قَالَ: فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟ قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ. قَالَ: يَا حُصَيْنُ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تَنْفَعَانِكَ قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِيَ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي فَقَالَ: قُلِ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي» ( [32] ) .
بل كانوا عند الشدائد ينسون آلهتهم ويتخلون عنها كما قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلى البَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت:65) .
وكانت أعظم شبه العرب هي: إنكار البعث، وجحد إرسال الرسل من البشر ( [33] ) .
وكانوا على حال سيئة من الأمية والجهل والإغراق في الخمور والقمار، والعصبية القبلية المقيتة التي يلغي معها عقله أحياناً على حد قول الشاعر:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
وقول الآخر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
وكانوا بعيدين كل البعد عن اجتماع الكلمة ووحدة الصف، فكانت تقوم بينهم الحروب والمنازعات لأتفه وأحقر الأسباب كما دلت عليها أيامهم مثل: حرب البسوس التي دامت أربعين عاماً بسبب اعتداء على جمل امرأة، وداحس والغبراء كذلك بسبب اعتداء على فرس، وغيرها كثير.
وكانوا على عادات سيئة مثل: وأد البنات، وعمل الميسر، والاستقسام بالأزلام، والنسيء، والبحيرة والسائبة، والتطير والفأل بالطير والجمادات ( [34] ) ... والجمع بين الأختين، ونكاح زوجة الأب وهذا كان ممقوتاً عند بعضهم حتى سموه نكاح المقت، ومنها المضارة في الطلاق، والعضل في النكاح، وكانوا يرثون النساء ( [35] ) .