فهرس الكتاب

الصفحة 3143 من 3657

تلك الحياة الجاهلية بكل صورها وفي جميع أماكنها وبقاعها قد صورها المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث العظيم الذي رواه مسلم عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: «أَلا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْداً حَلالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَاناً، وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَاباً لا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِماً وَيَقْظَانَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشاً. فَقُلْتُ: رَبِّ إِذاً يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً. قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشاُ نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ، قَالَ: وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، قَالَ: وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لا زَبْرَ لَهُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعاً لا يَبْتَغُونَ أَهْلاً وَلا مَالاً، وَالْخَائِنُ الَّذِي لا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لا يُصْبِحُ وَلا يُمْسِي إِلا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوِ الْكَذِبَ، وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ» -وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو غَسَّانَ فِي حَدِيثِهِ- «وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ» ( [36] ) .

فالحديث يشير إلى الانحراف عن الشريعة ونبذها وراءهم ظهرياً واختراع أنظمة وقوانين من عند أنفسهم، فحرموا الحلال وأحلوا الحرام في قوله: «كل مال نحلته عبداً حلال... وحرمت عليهم ما أحللت لهم» وهذا رد على ما شرعوه من السوائب والوصيلة والحام والبحيرة، مما يدعونه لآلهتهم، بينما الله شرع أن كل مال رزقه عبداً من عباده فهو حلال له.

كما يوضح الانحراف عن التوحيد والردة الكاملة عن الدين «وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم... وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» .

كما يشير إلى الفساد العظيم الذي غطى وجه الأرض مما استحقوا فيه مقت الله لهم جميعاً إلا بقايا من أهل الكتاب.

بقايا سنن إبراهيم عليه السلام عند العرب:

وقد بقيت عند بعض العرب بقايا من سنن إبراهيم عليه السلام وشريعته بنسب متفاوتة بين القبائل ومن ذلك: خصال الفطرة التي ابتلي بها إبراهيم عليه السلام وهي خمس في الرأس وخمس في الجسد: المضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والفرق، والسواك وهذه في الرأس، وأما التي في الجسد فهي: الاستنجاء، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط وحلق العانة، والختان.

وكانوا يغتسلون للجنابة ويغسلون موتاهم ويكفنونهم، وكانوا يصومون يوم عاشوراء، ويطوفون بالبيت ويسعون بين الصفا والمروة، ويمسحون الحجر ويلبون إلا أنهم يشركون في تلبيتهم يقولون: «لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك» ، ويقفون المواقف كلها، ويعظمون الأشهر الحرم.

وكانوا يحكمون بالدية مائة من الإبل، ويوقعون الطلاق إذا كان ثلاثاً وبالرجعة في الأولى والثانية، والقصاص في الجروح، واتباع الحكم في المبال في الخنثى، وكانوا يحرمون نكاح المحارم، وعملوا بالقسامة، واجتنب بعضهم الخمر في الجاهلية، وكانوا يغلظون على النساء أشد التغليظ في شرب الخمر ( [37] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت