فهرس الكتاب

الصفحة 3144 من 3657

وكانوا على شيء من العبادة كالحج والصدقة، وهم على اعترافهم بالله وبعظمته وبتدبيره للأمور، وأنه الرازق الخالق المحيي المميت، وأن جميع الخلق تحت قهره وتصرفه، إلا أنهم اتخذوا من دون الله وسائط يزعمون أنها تقربهم إلى الله زلفى قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءَ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهَ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ} (يونس:31) ، وقال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كٌنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ، قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ للهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} (المؤمنون:84-89) .

فهم بذلك يشهدون أن الله هو الخالق الرازق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات ومن فيهن والأرضين ومن فيها عبيده وتحت تصرفه وقهره، ومع ذلك يشركون به ويدعون معه غيره، بل كانت الكعبة وهي بيت الله المعظم عندهم يحيط به ثلاثمائة وستون صنماً.

® وكانت فيهم سمات كثيرة تؤهلهم لحمل راية الإسلام وهي وإن صعب توجيهها إلى الوجهة السليمة إلا أنها من أكبر الخصال المعينة على تقبلهم الإسلام وحملهم لرايته فيما بعد، ومن تلك الخصال:

1-الذكاء والفطنة: فقد كانت ألواح قلوبهم صافية لم تكتب فيها تلك الفلسفات والأساطير والأغلوطات التي يصعب محوها كما في الأمم المعاصرة لهم، فكأنهم يعدونها لحمل أبهى علم وأعظمه وهو الإسلام، ولهذا كانوا أحفظ شعب عرف في ذلك الزمن وقد وجه الإسلام قريحة الحفظ والذكاء إلى حفظ الدين وحمايته، فكانت قواهم الفكرية، ومواهبهم الفطرية مذخورة فيهم، لم تستهلك في فلسفات خيالية، وجدال بيزنطي عقيم، ومذاهب كلامية معقدة ( [38] ) .

وكانت الأمية غالبة عليهم يعتمدون في أحوالهم وأيامهم على الحفظ، فكان الواحد منهم مثلاً يحفظ من القصائد ما يفوت الإحصاء والحصر، فهذا الأصمعي من المتأخرين يقول: «ما بلغت الحلم حتى رويت اثني عشر ألف أرجوزة للأعراب» .

واتساع لغتهم دليل على قوة حفظهم وذاكرتهم فإذا كان للعسل ثمانون اسماً وللثعلب مائتان وللأسد خمسمائة، فإن للجمل ألفاً، وكذا السيف، وللداهية نحو أربعة آلاف اسم، ولا شك أن استعياب هذه الأسماء يحتاج إلى ذاكرة قوية حاضرة وقادة ( [39] ) .

وقد بلغ بهم الذكاء والفطنة إلى الفهم بالإشارة فضلاً عن العبارة، والأمثلة على ذلك كثيرة ونكتفي بقصتين للدلالة على ذلك:

فقد عزمت حنظلة على الإغارة على إحدى القبائل العربية، فمر بهم راكب فأخذوا عليه الميثاق أن لا ينذرهم أو يكلمهم، فلما مر بهم الرجل علّق على شجرة عندهم وطباً من لبن، ووضع في بعض أغصانها حنظلة، ووضع صرة من تراب وصرة من شوك، ثم ارتحل راحلته وغادرهم فلم يكلمهم، ففهم القوم من صرة التراب بأنه أتاهم عدد كثير، وأن الحنظلة رمز لقبيلة حنظلة، وأما الشوك فيخبرهم بأن لهم شوكة، وأما اللبن فهو دليل على قرب القوم وبعدهم، فإن كان حلواً حليباً فقد أتت الخيل، وإن كان لا حلواً ولا حامضاً فعلى قدر ذلك، وإن كان قارصاً فعلى قدر ذلك، وإن كان خاثراً فلهم مهلة من الرأي، وإنما ترك الرجل كلامهم لأنه قد أخذت عليه العهود وقد أنذرهم فأعدوا عدتهم وارتحلوا عن عدوهم ( [40] ) .

وقد بلغ بهم الذكاء إلى الفهم بقرع العصا كما في قصة سعد بن مالك من قيس بن ثعلبة حين قرع العصا لأخيه عمرو بن مالك، وذلك أن النعمان أرسل عمروا يرتاد له الكلأ، فأبطأ عليه فأقسم لئن جاء حامداً للكلأ أو ذاماً ليقتلنه.

فلما قدم قال سعد للنعمان: أتأذن لي أن أكلمه؟ قال: إن كلمته قطعت لسانك، قال: فأشير إليه؟ قال: إن أشرت إليه قطعت يدك، قال: فأومئ إليه؟ قال: إذن أنزع حدقتيك، قال: فأقرع له العصا؟ قال: اقرع.

فتناول عصا من بعض جلسائه فوضعها بين يديه وأخذ عصاه التي كانت معه وأخوه قائم، فقرع بعصاه العصا الأخرى قرعة واحدة فنظر إليه أخوه ثم أومأ بالعصا نحوه فعرف أنه يقول: مكانك، ثم قرع العصا قرعة واحدة ثم رفعها إلى السماء ثم مسح عصاه بالأخرى فعرف أنه يقول قل له: لم أجد جدباً، ثم قرع العصا مراراً بطرف عصاه ثم رفعها شيئاً فعرف أنه يقول: ولا نباتاً، ثم قرع العصا قرعة وأقبل بها نحو النعمان فعرف أنه يقول: كلمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت