فأقبل عمرو بن مالك حتى وقف بين يدي النعمان، فقال له النعمان: هل حمدت خصباً، أو ذممت جدباً؟ فقال عمرو: لم أذمم جدباً، ولم أحمد بقلاً، الأرض مشكلة لا خصبها يعرف، ولا جدبها يوصف، رائدها واقف، ومنكرها عارف، وآمنها خائف، فقال النعمان: أولى لك، بذلك نجوت.
ولما كان العرب بهذه المثابة من الفطنة والذكاء كان معجزتهم القرآن، فإن لكل قوم معجزة بحسب أفهامهم وقدر عقولهم ( [41] ) .
2-أهل كرم وسخاء يسترخصون أموالهم التي تعبوا في جمعها والحصول عليها في سبيل ذلك، مما سهل عليهم بعد ذلك بذل أموالهم في سبيل الله.
وهذا لا يحتاج إلى بيان، ولا يعوزه إقامة دليل ولا برهان فقد شهد لهم بذلك القاصي والداني، واشتهر به الحاضر منهم والبادي، وقد نطقت بذلك أشعارهم وأقاصيصهم التي لا تعد ولا تحصى، وسأذكر بعضاً من ذلك:
قال الشاعر:
ومستنبحِ قال الصدى مثل قوله ... حضأت له نارا لها حطب جزل
فقمت إليه مسرعا فغنمته ... مخافة قومي أن يفوزوا به قبل
فأوسعني حمدا وأوسعته قرىَ ... وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل
وقال آخر:
تركت ضأني تود الذئب راعيها ... وأنها لا تراني آخر الأبد
الذئب يطرقها في الدهر واحدة ... وكلَ يوم تراني مدية بيدي
وقال آخر:
وما يك فيّ من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل
وقال آخر:
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق
® وكان من كرمهم ينزلون بالروابي والأماكن العالية وفوق الجبال حتى يراهم الضيف، وكانوا يوقدون النيران بالليل ليهتدي إليهم الأضياف، وربما أوقدوها بالمندلي الرطب وهو عطر ينسب إلى مندل وهي بلدة من بلاد الهند ليهتدي إليها العميان:
وإني لأدعو الضيف بالضوء بعدما ... كسى الأرض نضاح الجليد وجامده
ومن كرماء العرب حاتم الطائي وهو ممن اشتهر ولم يخف أمره على أحد وهو القائل
لغلامه:
أوقد فإن الليل ليل قرُ ... والريح يا واقدُ ريح صر
علّ يرى نارك من يمرُ ... إن جلبت ضيفاً فأنت حر
وهو القائل في قصيدته الطويلة يخاطب زوجته ماوية:
أماوي لا يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
أماوي إن المال مال بذلته ... فأوله شكر وآخره ذكر
ومن كرماء العرب هرم بن سنان الذي قال فيه الشاعر:
تراه إذا ما جئته متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله
ومن كرمائهم عبد الله بن جدعان التيمي وكان له جفان عظيمة في مكة يأكل منها القائم والراكب على البعير:
له داعي بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي
إلى رُدح من الشيزي ملآء ... لُباب البر يلبك بالشهاد
ومن كرمهم أنهم كانوا يكرهون أن يطعموا أضيافهم البائت من اللحم، حدث قيس بن سعد رضي الله عنه: «أنه نزل على رجل هو وصاحب له، فنحر لهم جزوراً فأكلوا منه، فلما كان من الغد نحر لهم آخر فقال: شأنكم به، فقلنا: ما أكلنا من الأول إلا اليسير، فقال: إني لا أطعم أضيافي الغاب، فأقمنا عنده أياماً وهو يفعل
ذلك...» ( [42] ) .
® وكانت قريش تقوم بأمر من يرد إلى مكة من الحاج بالغاً ما بلغ من طعامهم وشرابهم، وكان هاشم وهو أحد أجداد الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حضر الحج قام في قريش فقال: يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وهم ضيف الله وأحق الضيف بالكرامة ضيفه فاجمعوا لهم ما تصنعون لهم به طعاماً أيامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة فيها، فإنه والله لو كان لي مال يسع لذلك ما كلفتكموه فيخرجون لذلك خرجاً من أموالهم كل امرئ على حسب قدرته واستطاعته، فيصنع به طعاماً للحاج حتى يصدروا وهذه هي الرفادة التي سنها قصي، وهاشم هو الذي هشم الثريد بمكة ( [43] ) .
قال النعمان بن المنذر لكسرى في مدح العرب: «وأما سخاؤها فإن أدناهم رجلاً الذي تكون عنده البكرة والناب عليها بلاغه في حموله وشبعه وريه فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة، ويجتزي بالشربة فيعقرها له ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر» ( [44] ) .
3-وكانوا أصحاب صراحة ووضوح بعيدين عن الالتواءات والتعقيد، الصدق سجيتهم، والكذب ليس مطية لهم بل يأنفون منه ويعيبونه، أهل وفاء، ولهذا كانت الشهادة باللسان كافية للدخول في الإسلام.
وقصة أبي سفيان مع هرقل لما سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الحروب بينهم قائمة قال: «لولا أن يأثروا عليَّ كذباً لكذبت عليه» ( [45] ) دليل على أنهم كانوا يستقبحون الكذب.
أما وفاؤهم فقد قال النعمان بن المنذر لكسرى في وفاء العرب: «وإن أحدهم يلحظ اللحظة ويومئ الإيماء فهي ولَث وعقدة لا يحلها إلا خروج نفسه، وإن أحدهم يرفع عوداً من الأرض فيكن رهناً بدينه فلا يغلق رهنه ولا تخفر ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلاً استجار به وعسى أن يكون نائياً عن داره، فيصاب فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره، وأنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله» ( [46] ) .