فالوفاء خلق متأصل بالعرب فجاء الإسلام ووجه الوجهة السليمة فغلظ على من آوى محدثاً مهما كانت منزلته وقرابته قال صلى الله عليه وسلم: «لعن الله من آوى محدثاً» ( [47] ) .
ومن القصص الدالة على وفائهم: قصة حنظلة بن عفراء مع المنذر بن ماء السماء حين قدم عليه في يوم بؤسه وأراد قتله فطلب منه التأجيل سنة، وكذلك وفاء السموأل بأدرع امرئ القيس ( [48] ) .
ومن أروع القصص: «أن الحارث بن عباد قاد قبائل بكر لقتال تغلب وقائدهم المهلهل الذي قتل ولد الحارث وقال: (بؤ بشسع نعل كليب) في حرب البسوس، فأسر الحارث مهلهلاً وهو لا يعرفه فقال له: دلني على مهلهل بن ربيعة وأخلي عنك فقال له: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال: نعم. قال: فأنا هو، فجز ناصيته وتركه» وهذا وفاء نادر ورجولة تستحق الإكبار ( [49] ) .
ومن وفاءهم: «أن النعمان بن المنذر خاف على نفسه من كسرى لما منعه من تزويج ابنته فأودع أسلحته وحرمه إلى هانئ بن مسعود الشيباني، ورحل إلى كسرى فبطش به، ثم أرسل إلى هانئ يطلب منه ودائع النعمان فأبى، فسير إليه كسرى جيشاً لقتاله فجمع هانئ قومه آل بكر وخطب فيهم فقال: «يا معشر بكر، هالك معذور، خير من ناج فرور، إن الحذر لا ينجي من القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره، الطعن في ثغر النحور، أكرم منه في الأعجاز والظهور، يا آل بكر قاتلوا فما للمنايا من بد» ( [50] ) ، وانتصر على الفرس في موقعة ذي قار، فهذا الرجل احتقر حياة الذل والاستكانة، ورأى الموت شرفاً في ساحة العز.
4-كانوا أصحاب شجاعة، ومغاوير حرب، وأحلاس خيل، وأصحاب جلادة وكانت الفروسية من أبرز أخلاقهم.
حتى كانوا يتمادحون بالموت قتلاً، ويتهاجون بالموت على الفراش قال أحدهم لما بلغه قتل أخيه: إن يقتل فقد قتل أبوه وأخوه وعمه، إنا والله لا نموت حتفاً، ولكن قطعاً بأطراف الرماح، وموتاً تحت ظلال السيوف.
وما مات منا سيد حتف أنفه ... ولا طُلّ منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظُباة نفوسنا ... وليست على غير الظباة تسيل
وحيث كان العرب لا يقدمون شيئاً على العز وصيانة العرض، وحماية الحريم، استرخصوا في سبيل ذلك نفوسهم.
قال عنترة:
بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهل
فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل ( [51] )
وكانوا يختارون الموت على الذلة، قال حصين بن حمام المري:
فلست بمبتاع الحياة بذلة ... ولا مرتق من خشية الموت سلما
وقال عدي بن رعلاء الغساني:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش ذليلاً ... سيئاً باله قليل الرجاء
فهو يصف من تركته الحرب معافى في ثياب الذل فموته في هذه الحال أفضل ( [52] ) .
وقال عنترة:
لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة كجهنم ... وجهنم بالعز أطيب منزل
5-كانوا بمعزل عن الأدواء المدنية والترف الذي يحول دون التحمس للعقيدة والتفاني في سبيلها، فكانوا يقلون من الأكل ويقولون البطنة تذهب الفطنة ويعيبون الرجل الأكول الجشع:
إذا مدت الأيد إلى الزاد لم أكن ... باعجلهم إذ أجشع القوم أعجل ( [53] )
6-وكانوا أمة نشأت على الحرية والمساواة، لم تخضع لحكومة أجنبية ولم تألف الرق والعبودية واستعباد الإنسان للإنسان مثل الأمم المعاصرة لهم، الذين حرموا من إبداء الرأي فضلاً عن النقد وإبداء الملاحظة، يأنفون من الذل ويأبون الضيم والاستصغار والاحتقار.
جلس عمرو بن هند ملك الحيرة لندمائه وسألهم: هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه خدمة أمي؟ قالوا: نعم أم عمرو بن كلثوم الشاعر الصعلوك.
فدعا الملك عمرو بن كلثوم لزيارته، ودعا أمه لتزور أمه، وقد اتفق الملك مع أمه أن تقول لأم عمرو كلثوم بعد الطعام: ناوليني الطبق الذي بجانبك، فلما جاءت قالت لها ذلك فقالت: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها الكرة وألحت، فصاحت ليلى أم عمرو بن كلثوم: وا ذلاه يا لتغلب...
فسمعها ابنها فاشتد به الغضب فرأى سيفاً للملك معلقاً بالرواق فتناوله وضرب به رأس الملك عمرو بن هند، ونادى في بني تغلب وانتهبوا ما في الرواق، ونظم قصيدة يخاطب بها الملك قائلاً:
بأي مشيئة عمرو بن هند ... نكون لِقِيلكم فيها قطينا
بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهددنا وتوْعِدنا رويداً ... متى كنا لأمك مَقْتَوينا
إلى أن يقول في آخر معلقته: ...
إذا ما المَلْك سام الناس خسفاً ... أبينا أن نقر الذل فينا
القيل هو الملك دون الملك الأعظم، والقطين هم الخدم، والقتو خدمة الملوك ( [54] ) .
أنساب العرب:
ينقسم العرب إلى قسمين: عرب الجنوب وهم قحطان.
وعرب الشمال وهم من ولد نزار بن معد بن عدنان وهم قسمان: