والاقتداء به ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو أحد ركني الإسلام الذي قام عليهما (الإخلاص والمتابعة) ، قال تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا) [ الأحزاب:21 ] . وهو أيضا الترجمة الحقيقية للمحبة قال الله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) [ آل عمران: 31 ]
ومن أمحل المحال أن يحب المرء من يجهل أوصافه وأحواله، ومن أمحل المحال أن يقتدي المرء بمن لا يعرف شيئًا عن سيرته وهديه، من هنا تأتي أهمية شرح السيرة النبوية لتوضيح صفاته وأحواله صلى الله عليه وسلم، ليعرفها من جهل فيحب ويتبع.
2 ـ وتعلُّم السيرة النبوية عبادة فقد جاء عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه قال:"كنا نُعلَّم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن".
وقال إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص: «كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعدها علينا، ويقول: هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها» (1) .
3 ـ وإذا أعملنا قاعدة"الوسائل لها أحكام المقاصد"ـ وهو ممكن هنا ـ وجدنا أن السيرة النبوية إحدى وسائل التعبد، تأخذ حكم الغاية التي تصل إليها. وبعض الغايات عبادات واجبة، وبعض الغايات دفاع عن الحبيب صلى الله عليه وسلم.
4 ـ وفي السيرة توضيح لكثير من معاني القرآن الكريم، كتلك الآيات التي تتكلم عن الغزوات في سورة آل عمران، والتوبة والأحزاب والفتح والحشر...، كما أن في دراسة السيرة النبوية بيان لكثير من أسباب النزول. فهناك سور بأكملها تتكلم عن غزوة مثل سورة الأنفال التي تتكلم عن غزوة بدر، وسورة التوبة التي تتكلم عن غزوة تبوك، وسورة الحشر التي تتكلم عن جلاء بني النضير، وهناك آيات كثيرة في سورة آل عمران تتحدث عن غزوة أحد، وحتى تفهم هذه الآيات جيدًا لا بد من دراسة السيرة النبوية.
5ـ ولما كانت القدوة لابد منها في حياة الناشئة كان لا بد من تعلم السيرة النبوية، لإعطاء الأجيال نماذج طيبة طاهرة، من الصحابة والتابعين، وطرد النماذج الجاهلية أو الخيالية التي تعطى للأطفال فيما يعرض على الشاشات المرئية أو في القصص المكتوبة مما عمت به البلوى هذه الأيام. ففي السيرة نماذج حية للقادة العظماء وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفي السيرة نماذج حيّة للزهاد وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي السيرة نماذج للتجار الناجحون المخلصون الأتقياء. وفي السيرة أفضل النماذج للمربين وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وفي السيرة أسمى نماذج الصبر والثبات والجد في الحصول على المراد.
ولا بد من عقد المقارنة بين هذه النماذج الخيالية المكذوبة التي لا يستفيد منها القارئ وخاصة الناشئة شيء، وبين نماذج البطولة الحية الموجودة في السيرة النبوية.
بل لا بد من عقد المقارنة بين عظماء التاريخ الإسلامي وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم وباقي الجبابرة الذين استخفوا قومهم فأطاعوهم، والذين ملكوا على الناس بالسيف، ولم يتركوا أثرا لهم يُحي ذكرهم بالخير بين الناس كما كان حال من رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
6 ـ واليوم دار الزمان دورة أخرى، وصار الكفر هو القوة العظمى الوحيدة على وجه الأرض ففرض علينا ما هو مرفوض في ديننا، وتبعه كثير من قومنا رغبة ورهبة، ولا بد من التصدي لهذه الحالة والوقوف بوجهها، لذا كان لا بد من معرفة كيف عالج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأمر من قبل. وتُعرض السيرة النبوية كنموذج للإصلاح ورد الناس إلى دين الله.
وأحاول ـ بحول الله وقوته ـ عرض بعض المفاهيم التي لا بد منها ـ من وجهة نظري ـ لمن يريد دراسة السيرة النبوية أو عرضها على الناس.
ثانيا: السيرة النبوية وصحة المصادر:
يعاني النصارى واليهود من الشك الكبير في تراثهم الديني... كل تراثهم الديني؛ بل في أقدس ما لديهم وهو ما يسمونه (الكتاب المقدس) ، فهم مختلفون أو قل يجهلون الكثير عن الشخصيات التي كتبت (العهد القديم) وكذا من كتبوا الأناجيل (القانونية منها وغير القانونية) ، والكلام في التشكيك فيمن كتبوا الأناجيل مشهور ومعلوم، والمعلومات عن الأصول التي تمت الترجمة منها تكاد تكون معدومة، والحديث عن ما يسمونهم بـ (الآباء الأولون) حديث مُحتكر بين طائفة معينة، ومن يدخل منهم الإسلام يتكلم بأنه كله كذب ولولا ذلك لخرج للعوام، فهم إذا في شك كبير من كتابهم وتراثهم الفكري والتاريخي، وهو مصداق قول الله تعالى: (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب) ويستر عيبهم أن الدين حكر على الأحبار والرهبان، وأن العوام ليس لهم من الدين سوى بعض القضايا الذهنية التي يعتقدونها كقضية الفداء والصلب مثلا عند النصارى، وبعض الشعائر التعبدية التي يلتزم بها القليل. ولا يلام عليها الباقين.